يدعي بعض المتشددين في التفسير أن القرآن له فهم واحد صحيح هو ما فهمه السلف وما عداه ضلال. وهذا ادعاء يُوصَف أصحابه أحيانا بأنهم “حُراس المعنى القرآني.” لكن التاريخ يُقدّم حججا تُفنّد هذه الدعوى من داخل تراثهم هم أنفسهم.

لم يكن الاختلاف في تفسير القرآن ظاهرة حديثة اخترعها “المجددون” أو “العقلانيون.” كان موجودا منذ عهد الصحابة أنفسهم — الجيل الأول الذي كان بعضه يشاهد الوحي وبعضه يسمع مباشرة من النبي.

الأرقام التي لا تكذب

رصدت دراسات أكاديمية جادة حجم التعدد التفسيري في الإسلام المبكر:

عند الصحابة: رصدت إحدى الدراسات المتخصصة نحو 9000 أثر في تفسير القرآن منسوبة للصحابة. بمعدل السور والآيات، يُعطي هذا أكثر من أثر ونصف لكل آية في المتوسط — وهذا يعني بداهة أن آيات كثيرة كانت تحتمل أكثر من رأي واحد حتى في الجيل الأول.

عند التابعين: تضاعف الرقم تضاعفا لافتا. وصل عدد الآثار التفسيرية للتابعين إلى نحو 21 000 أثر — أي نحو ثلاثة إلى أربعة أوجه تفسيرية لكل آية في المتوسط.

وهذه ليست أرقاما عابرة — هي وثيقة تاريخية في تعداد الاختلاف.

شهادة الإمام الطوفي

الإمام نجم الدين الطوفي، العالم الحنبلي المعروف بدقته المنهجية، وثّق ظاهرة أبعد من مجرد التعدد: التناقض. فقد ذكر أن التابعين كانوا يُقدّمون في بعض الأحيان أكثر من عشرة أوجه تفسيرية متناقضة للآية الواحدة.

عشرة أوجه متناقضة من التابعين — وهم الذين نشؤوا في أحضان الصحابة وتعلموا منهم مباشرة. فأين الفهم “الواحد الصحيح” إذن؟

ثلاث نتائج يفرضها التاريخ

أولا: التعدد أصل لا استثناء.** من يُقدّم الاختلاف التفسيري بوصفه انحرافا عن الأصل يُخالف الوقائع التاريخية. الاختلاف في الفهم كان موجودا منذ نشأة التفسير ولم يكن أحد يستنكره بصورة مبدئية.

ثانيا: التابعون خالفوا الصحابة.** إذا كان التابعون قد وصلوا في بعض الآيات إلى عشرة أوجه تفسيرية متناقضة، فإن بعضها بالضرورة يُخالف ما قاله الصحابة — ومع ذلك لم يُعدّ ذلك انحرافا. فما السند لمنع اجتهاد تفسيري جديد اليوم؟

ثالثا: المعرفة المعاصرة تُتيح إضافة حقيقية.** العلماء المعاصرون يملكون أدوات لم تكن متاحة لمن سبقوهم: علم اللغة المقارن، والأثريات، وعلم السياق التاريخي، والدراسات المعرفية. استخدام هذه الأدوات في التفسير ليس إساءة للتراث بل امتداد طبيعي لمنطقه.

الخطأ المنهجي في التقديس الانتقائي

من الأخطاء الشائعة في الدفاع عن “الفهم الواحد” الانتقائية في توظيف التراث: يُقدَّم الاتفاق بين الصحابة كحجة حين يوجد الاتفاق، ويُسكَت عن الاختلاف حين يوجد الاختلاف. لكن التاريخ لا يُستدعى نصفه فقط.

التراث التفسيري الإسلامي الحقيقي — في غنى هذا التعدد وثرائه — هو أحد أجمل شواهد قدرة القرآن على توليد معان لا تنضب في كل عصر. وهذه الخاصية ليست نقصا في القرآن بل شاهدا على عمقه.

خاتمة

التاريخ الذي يُوظَّف لإغلاق باب الاجتهاد يفضح بأرقامه الدقيقة أن هذا الباب لم يُغلق يوما. والحجة الأمينة تستدعي التاريخ كاملا لا منتقى. والاجتهاد في فهم القرآن — بالأدوات الصحيحة والمنهجية الجادة — ليس جرأة على التراث بل وفاء لروحه الحية.