التعددية الثقافية في مجتمع التعدد السياسي: ماذا بعد الثورة؟
الثورات لا تفتح فقط باب التعدد السياسي، بل تفتح أيضا باب الأسئلة المؤجلة التي كانت السلطة الاستبدادية تغلقها بالقوة: أسئلة الثقافة والهوية والعيش المشترك والاعتراف المتبادل. ومن أخطر الأوهام التي قد تُصاب بها مجتمعات ما بعد الثورة أن نظن أن الانتقال إلى التعددية الحزبية يكفي وحده لبناء مجتمع ديمقراطي حقيقي. لأن المجتمع قد يقبل نظريا بتعدد الأحزاب وبانتخابات دورية وبدستور متوازن، لكنه يبقى عاجزا عن احتمال التعدد الثقافي والفكري والرمزي داخله. وعندئذ تصبح الديمقراطية قشرة إجرائية هشة فوق بنية ذهنية ما زالت تخاف الاختلاف الحقيقي وتسعى إلى إقصائه بأساليب جديدة.
لهذا أرى أن سؤال التعددية الثقافية بعد الثورة ليس ترفا فكريا، بل شرطا من شروط نجاح التحول السياسي نفسه واستدامته. فلا معنى حقيقيا لمجتمع يذهب إلى الصندوق الانتخابي، ثم يعجز عن إدارة التنوع في اللغة والتدين وأنماط العيش والتصورات الأخلاقية والمرجعيات الفكرية. الديمقراطية الإجرائية بلا ثقافة التعدد هي في أحسن الأحوال هدنة مؤقتة، لا سلم حقيقي.
التعدد السياسي لا يكتمل بلا تعدد ثقافي
النظام الديمقراطي لا يقوم فقط على توزيع السلطة بين مؤسسات وأحزاب وانتخابات، بل يقوم أيضا وبصورة جوهرية على الاعتراف بأن المجتمع مركب بطبيعته وأن هذا التركيب ثروة لا عبء. فإذا ظل كل طرف سياسي يرى في نفسه الحقيقة الوطنية أو الأخلاقية أو الدينية الوحيدة، وينظر إلى الطرف الآخر لا بوصفه منافسا مشروعا بل بوصفه تهديدا وجوديا يجب اجتثاثه، فإن التعدد الحزبي سيتحول عاجلا أو آجلا إلى حرب شرعيات متبادلة لا إلى منافسة برامج ورؤى. وقد رأينا هذا بوضوح في تجارب الانتقال الديمقراطي العربية التي تحولت فيها الانتخابات إلى ساحة صراع وجودي لا إلى آلية لتداول السلطة.
وهذا بالضبط ما يجعل التعددية الثقافية عمقا ضروريا للتعددية السياسية، لا زينة جانبية تضاف إليها في خطاب دولي مريح. التعددية الثقافية تعني أن أقبل وجود من يختلف عني في الهوية الدينية والثقافية واللغوية وأنماط العيش بوصفه شريكا في الفضاء العام لا دخيلا عليه. وتعني أن الدولة لا تنحاز لثقافة بعينها على حساب غيرها، وأن الفضاء العام يتسع للتعدد ما دام يلتزم بقواعد السلم المشترك.
بين الهوية والخوف من التفكك
من أكثر الحجج شيوعا ضد التعددية الثقافية أنها تهدد الوحدة الوطنية وتفتح الباب أمام التفكك. لكن هذه الحجة نفسها تحتاج إلى مراجعة دقيقة.
فالهوية الجماعية الناضجة ليست تلك التي تمنع الاختلاف وتُلغيه، بل تلك التي تمتلك من الثقة والاستقرار الداخلي ما يسمح لها بأن تستوعب الاختلاف من غير انهيار. المجتمعات الديمقراطية الراسخة في أوروبا وكندا تعيش تنوعا ثقافيا ولغويا ودينيا هائلا، ومع ذلك تتمتع بتماسك وطني حقيقي لأن هويتها المدنية المشتركة قوية بما يكفي لاستيعاب هذا التنوع لا للخوف منه.
أما الهوية الهشة فهي على العكس تلك التي تحتاج دائما إلى عدو داخلي حتى تشعر بوجودها ووحدتها. هي هوية تبني نفسها على النفي لا على الإيجاب: لسنا هؤلاء، ضد أولئك، مختلفون عن هؤلاء. وحين تغيب هوية مشتركة مدنية إيجابية، يحل محلها الاصطفاف القبلي والمذهبي والإثني بوصفه بديلا للانتماء. وهذا بالضبط ما يجعل بناء ثقافة التعدد مسألة أمن وطني لا مجرد قضية فكرية.
تونس مثلا تحتضن تنوعا حقيقيا في المرجعيات الدينية والثقافية والفكرية: متدينون محافظون ومتدينون منفتحون وعلمانيون ولا دينيون وتعددية جهوية وثقافية. هذا التنوع موجود بصرف النظر عن أي قرار سياسي. السؤال هو: كيف يُدار؟ بالإقصاء الذي يُنتج انفجارات متكررة؟ أم بالاعتراف الذي يُنتج تعاقدا اجتماعيا أكثر صمودا؟
الدولة والثقافة المدنية
إذا كان للثورة معنى مؤسسي حقيقي يتجاوز مجرد تغيير الوجوه، فهو أن تنتقل الدولة من منطق الرعاية الأحادية التي كانت تفرض نموذجا واحدا للمواطن الصالح، إلى منطق الإدارة العادلة للتنوع التي تعترف بتعدد المواطنين ومشروعية هذا التعدد.
وهذا يتطلب ثقافة مدنية جديدة تُبنى على مستويات متعددة:
على مستوى الدولة: ألا تتحول إلى ذراع ثقافية لفريق واحد مهما بلغت قوته الانتخابية. فالأغلبية الانتخابية لا تعطي الحق في احتكار الفضاء الثقافي العام. الدولة المدنية خادمة للجميع وحارسة للتعدد لا راعية لثقافة بعينها.
على مستوى المؤسسات: أن يضمن الإعلام العام تعدد الأصوات لا صوتا واحدا بمئة قناة، وأن يعكس المنهج التعليمي التنوع الثقافي والفكري للمجتمع بدل أن يُلقّن نموذجا واحدا.
على مستوى الثقافة المدنية: أن يتعلم المواطنون التمييز بين الاختلاف الذي يُثري والاختلاف الذي يُهدد، وأن يُدركوا أن القبول بالآخر لا يعني التخلي عن هوياتهم الخاصة.
مشكلة الأغلبية التي تتصرف كأقلية مهددة
ظاهرة مثيرة تتكرر في مجتمعات ما بعد الثورة: الأغلبية التي تتصرف كما لو كانت أقلية مهددة. قد تكون الأغلبية دينية أو إثنية أو أيديولوجية، لكنها تُصوّر أي اعتراف بالتنوع بوصفه تهديدا لوجودها وإقصاء لها. وهذه الديناميكية مدمرة لأنها تحول الأغلبية من موقع بناء التوافق إلى موقع الخصومة الدائمة، وتجعل السياسة ساحة معركة لا مساحة حوار.
التعددية الثقافية لا تطلب من الأغلبية أن تتخلى عن هويتها، بل تطلب منها فقط أن تكفّ عن تصوير هذه الهوية بوصفها الهوية الوطنية الوحيدة المشروعة. وهذا فرق جوهري بين الأمرين.
خاتمة
التعددية الثقافية ليست خطرا على المجتمع ما دام المجتمع يملك أخلاق الاختلاف ومؤسساته القادرة على إدارته. الخطر الحقيقي هو أن ننتقل إلى تعدد سياسي شكلي بلا ثقافة حقيقية تحتمله وتُغذّيه. عندئذ يصبح الصندوق الانتخابي مجرد محطة جديدة في صراع الإقصاء المتبادل، ويصبح كل انتخاب مناسبة للتهديد والتحشيد لا للتنافس البرامجي الهادئ.
أما إذا نجحنا في بناء وعي ثقافي تعددي حقيقي — وهذا مشروع جيل لا مشروع انتخابات — فإن السياسة نفسها ستغدو أقل توترا وأكثر نضجا وأقدر على إنتاج حلول للمشكلات الفعلية التي تواجه المجتمع. لأن طاقة الجميع ستتحول من حرب الشرعيات إلى منافسة الرؤى.