بين قاعدتين: سوء الظن والبراءة

قيل قديما: “سوء الظن بالناس من الفطن”. وهذه المقولة تخالف القاعدة القانونية الشهيرة: “كل متهم بريء حتى تثبت إدانته”.

وفي جاليتنا المسلمة، عندما نتوجه بالنقد إلى أداء الإخوة المسؤولين في إدارة شؤون الجالية بشكل مباشر، سواء بشكل فردي أو بشكل جماعي، فإن القاعدة التي يفترض الالتزام بها هي هذه القاعدة القانونية.

من مضمون النقد إلى نوايا الناقد

ولكن، يبدو أننا نحن المسلمين، أصبح من عادتنا، وللأسف الشديد، حين نسمع نقدا موجها لبعض مظاهر الخلل في أداء بعض المهام الخاصة بالجالية، أن يبادر الذهن سريعا بالقول: إن لهذا الناقد (غرضا ما) من وراء نقده.

وعوض الاهتمام بصلب الكلام الذي يحتويه هذا النقد، يتوجه الاهتمام إلى النوايا من ورائه. فتبدأ الاتهامات في الكواليس، والأحاديث الجانبية عن الناقد: فمن اتهام بالجهل، إلى اتهام بعدم الاطلاع على حقيقة الأمور، إلى اتهام بالمزاجية، إلى اتهام بالنكايات الشخصية أو الحسد والغيرة أو الرغبة في الحط من الآخرين لاكتساب المكانة، إلى اتهام بالسعي لتحقيق مطامع شخصية، إلى اتهام بالغرور والعجب بالنفس والتمركز حول الذات.

هي قائمة من الاتهامات التي تبدأ ولا تنتهي!

أسئلة مشروعة لا نطرحها

ولكن لِمَ لا يتوجه التفكير نحو الاتجاه الآخر، بأن يتساءل القارئ أو الشخص المعني بالنقد:

  • ماذا لو كان هذا النقد صحيحا؟
  • ماذا لو كان هذا النقد بلا نوايا سيئة أو مغرضة؟
  • ماذا لو كان هذا النقد يهدف فقط للإصلاح، حتى وإن خانته العبارة؟

بعبارة أخرى: لماذا لا نُعمِل هذه القاعدة القانونية التي تقول: “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”؟

أليس هذا أساسا من أسس الأخوة الإسلامية التي أسسها النبي صلى الله عليه وسلم؟

التعامل مع النقد بمحتواه لا بنواياه

لماذا لا نستطيع ترك الظن جانبا، حين يتوجه إلينا النقد، حتى لو كان شديدا، فنتعامل مع هذا النقد بمحتواه لا بنواياه؟

ألا يمكن أن نقبل النقد على أساس أنه تعبير عن عدم الرضى بما هو موجود، وتنبيه على الأخطاء القائمة، حتى يتحسن الأداء ونصل جميعا إلى مرتبة الإحسان والإتقان؟

ولنفترض جدلا أن الناقد له نوايا سيئة ومغرضة من النقد، أفلا يكون من الحكمة أن ننظر في كلامه ونأخذ منه ما يصلح من شأننا، حتى لو كان في كلامه بعض العبارات الخاطئة أو الجارحة؟

مفارقة الرخاء والشدة

لماذا نستحضر في وقت الرخاء قول السلف: “رحم الله من أهدى إليّ عيوبي”، وقول عمر بن الخطاب: “لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها”، أما حين يصدر النقد حقا (في وقت الشدة)، فترى ردّات الفعل ممن يتعرضون للنقد مُظهِرةً لمدى تضايقهم وحرجهم؟

الصديق الحقيقي: من يصدقك لا من يصدّقك

وعلى كل، فمن منطلق تجربتي الشخصية مع كثير من الأصدقاء، يستوي فيهم المقربون وغير المقربين، لا يوجد حل يرضي جميع الأطراف. ولذلك، فسيبقى سوء الظن قائما، ونزعة لا يمكن تجنبها.

ولكنني واثق تمام الثقة بأن الأيام ستساعد، ولو بعد حين، في توضيح النوايا وصدق النقد وصوابية الآراء والمواقف. وسيتبين للجميع كم يحمل الناقد من حب عميق وحرص شديد على من ينقدهم. وسيعلم حينها من يتعرضون للنقد: أن “الصديق الحقيقي هو من يصدقك، لا من يصدّقك”.

وإذا كان الجميع أحياء في ذلك الحين، فستكون فرصة لهم للتغافر والتراحم. وإن عاجلت المنية أحدهم، فسيكون لهم موعد أمام الله للتصافي. وحينها سينزع رب العزة ما في قلوبهم من غل، ويجلسهم إخوانا على سرر متقابلين.