من يمثّل السلف الصالح؟

هناك من يجعل اختيارات أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيّم وما رآه الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي عنوان الانتماء للسلف الصالح. وهؤلاء أعلام هُدى لا تشكيك في ذلك، لكنّهم ليسوا وحدهم من يعبّر عن منهج السلف الصالح. فهذا خلل في مفهوم السلف والسلفية بالنظر إلى الجزئيات.

وقُل نفس الشيء عمّن يجعلون بعض المعاصرين من أمثال ابن باز وابن عثيمين والألباني وتلاميذهم الأحياء هم عنوان الانتماء للسلف الصالح.

إنّ السلف الصالح يشمل طيفًا واسعًا من العلماء والمجتهدين عبر القرون الأولى، وفيهم الفقهاء والمحدّثون والمتكلّمون والصوفية والمفسّرون، وقد تنوّعت مشاربهم واجتهاداتهم تنوّعًا يعكس ثراء هذا الدين وسعته. فاختزال السلفية في مدرسة واحدة أو خطّ فكري بعينه هو تضييق لما وسّعه الله.

حركات إصلاحية دون ادّعاء الاحتكار

تاريخ الأمة شهد ظهور عدّة حركات إصلاحية إحيائية انتمت للسلف الصالح في زاوية من الزوايا، واستفادت من تراثه، ولكنّها لم تدَّعِ الاحتكار للسلف أو أنها المالكة للمنهج السلفي، كما يفعل البعض حاليًّا.

هذه الحركات الإصلاحية — من حركة الموحّدين في المغرب إلى الإصلاحيين في الشام ومصر وغيرها — كانت تنهل من التراث السلفي ما يناسب عصرها وسياقها، دون أن تحوّل اجتهادات بعض العلماء إلى معايير حصرية للتصنيف والانتماء. وهذا التعامل المرن مع التراث هو في حدّ ذاته أقرب إلى روح السلف الذين كانوا يجتهدون في زمانهم ولا يُلزمون من بعدهم باجتهاداتهم.

بين التقديس والتبخيس

هناك من يضع اجتهادات السلف الصالح في مرتبة النصوص المقدّسة للكتاب والسنّة، ويمنحها القداسة، وإن بدا فيها قصور البشر. وبالمقابل، هناك من يبخس جهد السلف الصالح، وإن تجلّت فيه مظاهر الهداية.

وهذان الموقفان خاطئان كلاهما. فالتقديس يحوّل الاجتهاد البشري إلى نصّ لا يُناقَش، ويُغلق باب الاجتهاد الذي فتحه السلف أنفسهم. والتبخيس يقطع الأمّة عن تراثها ويحرمها من ثروة فكرية وروحية هائلة تراكمت عبر القرون.

والمخرج من حدَّي التقديس والتبخيس عند النظر لتراث السلف الصالح هو: التقدير والاحترام بلا تقديس ولا تبخيس. أن نقرأ تراثهم بعين الإجلال والامتنان، مع إدراك أنهم بشر اجتهدوا فأصابوا في كثير وأخطأوا في بعض، وأنّ احترامهم الحقيقي يكون بمواصلة مسيرة الاجتهاد التي بدأوها، لا بتجميد الفكر عند ما انتهوا إليه.

من المذهبية إلى المنهج

انتماؤنا للسلف يجب أن يتغيّر: من مذهبية إلى منهج، ومن عصبية إلى اقتداء.

فالمذهبية تجعل الانتماء تحزّبًا وتصنيفًا وتمييزًا بين المسلمين، أمّا المنهج فيجعله طريقة في التفكير والاجتهاد والتعامل مع النصوص. والعصبية تجعل الانتماء ولاءً أعمى لأشخاص بأعيانهم، أمّا الاقتداء فيجعله تعلّمًا من سيرتهم وأخذًا بأحسن ما قدّموا. وحين نفهم السلفية بوصفها منهجًا في الإخلاص للحقّ والاجتهاد في فهم النصوص والجرأة في مواجهة الانحرافات، نكون أقرب إلى روح السلف الصالح ممّن يحفظون أقوالهم دون أن يستوعبوا روحهم.