مشكلتي مع النخبة التونسية: العمق لا يعني الغموض
على هامش منشور يحتفي بكتاب فلسفي تونسي جديد حول صناعة المعنى — كتاب أغرق نفسه في تعقيد يجعله منعزلًا عن الجمهور الذي يُفترض أن يُخاطبه.
المسؤولية المزدوجة للنخبة
متفقون على أن النخبة الفكرية والسياسية تتحمل مسؤولية رفع المستوى الثقافي والفكري للمجتمع، لا الانقياد وراء السائد والشعبي فقط. من واجبهم طرح الأسئلة الصعبة وتقديم رؤى بعيدة المدى ومعالجة القضايا الجوهرية التي لا يلتفت إليها عامة الناس.
لكن العمق الفكري لا يعني الغموض. يمكن للفكرة أن تكون عميقة وتُعرض بأسلوب يتدرج في الشرح ويصل بوضوح إلى المستمع.
الغموض المصطنع: ظاهرة خطرة
ثمة ظاهرة منتشرة في الكتابة الأكاديمية والفكرية العربية: توظيف المصطلحات المعقدة والتراكيب اللغوية الملتوية لإضفاء هالة من العمق على أفكار يمكن قولها ببساطة. ونعوم تشومسكي صاغ هذا بدقة:
“لا أحب الكلمات التي تُوضع لإضفاء الغموض على ما يمكن أن نقوله بكيفية بسيطة، بهدف خلق انطباع زائف بالعمق.”
الغموض المصطنع لا يخدم الفكرة — يخدم صاحبها. يمنحه هالة المتخصص الذي لا يُفهَم، ويحميه من النقد لأن ما لا يُفهم لا يُناقَش.
تحدي اللغة الوسيطة
نحن في عصر تواصل سريع ووسائل إعلام اجتماعية، مما يخلق ضغطًا نحو تبسيط الرسائل الفكرية لتناسب حدود الانتباه القصير. ومن الطبيعي أن تقاوم النخبة الاختزال المُضرّ.
لكن المطلوب ليس الاختيار بين التعقيد الأكاديمي والتبسيط الشعبي — المطلوب إيجاد لغة وسيطة. هذه اللغة لا تستغني عن المصطلحات الفكرية لكنها تقدّمها مع شرحها ووضعها في سياقات مألوفة.
ما ينقص النخبة التونسية تحديدًا
المشكلة ليست في غياب الكفاءة الأكاديمية — هي موجودة. المشكلة في ضعف الصلة بالمجتمع الذي تُفترض خدمته.
النخبة الفكرية التي تكتب لبعضها البعض، وتحتفي بنفسها في دوائر مغلقة، وتقيس نجاحها بعدد المصطلحات الفرنسية التي تُقحمها في النص — هذه نخبة تؤدي وظيفة اجتماعية مختلفة عن التثقيف والتنوير.
التنوير الحقيقي تاريخيًا كان دائمًا لصيقًا بالتواصل الواسع: فولتير كتب للعامة، وطه حسين كان يُسمع في البيوت، والعقاد كان مقروءًا في المقاهي.
خاتمة
النخبة الناجحة هي التي تستطيع التفاعل مع الواقع بمرونة دون أن تُفرّط في المبادئ أو تُحاصر نفسها في أبراج عاجية. العمق والوضوح ليسا نقيضين — هما شرطان متلازمان للفكر الذي يُريد أن يُغيّر شيئًا في العالم.
النموذج المطلوب
الفيلسوف الذي يكتب بلغة تصل إلى طالب الجامعة دون أن تخسر دقّتها — هذا النموذج موجود في الفكر الغربي: كارل ساغان في الفيزياء، ورولان بارت في الثقافة، وأمارتيا سن في الاقتصاد. وهو موجود في الفكر العربي الكلاسيكي: ابن رشد كتب الفلسفة بعربية يمكن قراءتها، وابن خلدون قدّم تحليلًا اجتماعيًا عميقًا بلغة مفهومة.