يقول القرآن: يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا (الحجرات: 13). والتعارف في الآية مقصود بذاته — لا وسيلة للإقناع ولا مقدمة للدعوة. هو هدف مستقل.

لكن التعارف الحقيقي نادر. أغلب ما يُسمى “حوار الأديان” هو تبادل خطابات مُعلبة بين متحدثين رسميين في قاعات مكيّفة. ما أصفه هنا مختلف: تعارف يسكن في الزيارات اليومية وموائد الطعام والصلوات المشتركة والنقاشات الحادة أحيانا.

مع المسلمين المختلفين

الصوفية: جالستهم وشاركت في بعض حضراتهم منشدا وجالسا. لم أُمارس ما لستُ مقتنعا به — لكنني لم أرفض الحضور بدعوى “الشبهة.” وجدت فيهم ناسا يبحثون عن الله بصدق، وإن كانت بعض أشكال ممارستهم تستدعي نقاشا فقهيا حقيقيا.

الشيعة: صليت معهم مأموما في أوقات، وإماما في أوقات أخرى — بوعي تام بالفروق الفقهية وبمواضع الاتفاق والاختلاف. ما يحدث في المساجد لا يُلغي الاختلاف العقدي لكنه يُذكّر بأننا نُصلي لنفس الإله.

السلفيون والأشاعرة: حاورتهم في مجالس ومنتديات. وجدت في كل تيار أصحاب ورع حقيقي وأصحاب تشدد لا مبرر له. الحكم على التيار من أسوأ ممثليه خطأ في الاتجاهين.

مع المسيحيين

الكاثوليك: حضرت قداسات كاثوليكية في مناسبات مختلفة. ودخلت في حوارات طويلة مع رجال دين كاثوليك — بمن فيهم أسقف مقاطعة كيبيك في لقاء ممتد. الأسئلة التي طُرحت كانت حادة وصريحة. الصراحة المبنية على الاحترام أعمق أثرا من المجاملة الفارغة.

شهود يهوه: لأكثر من سنتين كنا نلتقي كل أسبوعين في منزلي. يُقدّمون فهمهم للكتاب المقدس وأنا أُقدّم ما أرى. كان الحوار صريحا وهادئا. لم أتحول إلى ما يؤمنون به ولم يتحولوا إلى ما أؤمن به — لكن كلانا خرج بفهم أعمق للآخر وللموضوعات المشتركة.

المورمون: لا تزال حلقاتنا الشهرية قائمة. وقد طُرح في إحداها سؤال صعب: هل أستطيع أن أُصلّي معهم؟ أجبت: أستطيع أن أدعو الله بما يُناسبني في حضوركم، لكنني لا أستطيع أن أُصلي “باسم المسيح” لأن هذا يخالف قناعتي العقدية. قبلوا ذلك. وبقي الحوار.

مع الملحدين أصحاب التكوين العلمي

دعوت إلى مائدتي أشخاصا لا يؤمنون بوجود الله. بعضهم علماء بيولوجيا وفيزياء وفلسفة. لم يكن هدف اللقاء تحويلهم، بل الحوار الحقيقي حول الأسئلة المشتركة: الكون، والمعنى، والأخلاق من غير إله، وما الفرق في السلوك بين من يؤمن ومن لا يؤمن. تلك المحادثات أفادتني في تعميق فهمي لقناعاتي الخاصة أكثر مما أفادتهم ربما.

القاعدة التي أعمل بها

الحضور دون تسطيح. أن تكون موجودا بكامل هويتك — مسلما، مؤمنا، صاحب قناعات راسخة — دون أن تُضيف إلى وجودك عداءً للآخر. وأن تُحدّد حدودك بوضوح حين تُطلب منك أفعال تتعارض مع عقيدتك، دون اعتذار ودون هجوم.

الفرق بين هذا وبين ما يُسمّى “التسامح المائع”: التسامح المائع يقول “كل الأديان سواء.” أنا لا أقول ذلك — لديّ قناعات محددة وأعتقد بصحتها. لكنني أرفض أن تتحول قناعاتي إلى سياج يعزلني عن بقية البشر.

ما سبق الغربة

ما أودّ قوله في الختام هو أن هذه الطريقة في التعامل مع التنوع الديني لم تبدأ في كندا. بدأت في تونس قبل الهجرة. كانت بيئتنا في صفاقس تحمل تنوعا طبيعيا في مستويات التدين والانتماء. وتعلّمت مبكرا أن الإنسان الجيد لا يُعرَّف حصرا بانتمائه الديني.

الغربة عمّقت هذا الاتجاه ولم تُنشئه.

خاتمة

التعارف القرآني الحقيقي يستلزم وقتا وصبرا واستعدادا لتحمّل عدم الاتفاق. ليس كل لقاء يُنتج تقاربا — لكن كل لقاء صادق يُنتج فهما، والفهم وحده يكفي لجعل العالم أقل عدوانية.

ما تُفيده هذه التجارب في الدعوة والتعليم

حين يُريد مسلم في الغرب أن يُعرّف الآخرين بدينه، الطريق الأنجع ليس المنشورات على الشبكات الاجتماعية ولا المحاضرات العلنية — بل العلاقات الشخصية الطويلة المبنية على الثقة والاحترام المتبادل.

كل لقاء من اللقاءات التي وصفتها كان في جوهره فرصة لإظهار ما يعنيه الإسلام في حياة إنسان حقيقي، لا في كتاب أو موقع إلكتروني. الإسلام الذي يراه الآخر في أخلاقك وطريقة تعاملك وقدرتك على الاختلاف بكرامة — هذا أقوى من أي خطاب دعوي.

وهذا بالضبط ما كان يحدث في صدر الإسلام: كان التجار المسلمون في آسيا الجنوبية الشرقية يُسلم الناس على يديهم لا بسبب قوتهم العسكرية بل لأمانتهم في التعامل التجاري وأخلاقهم الظاهرة.

ما يُختلف فيه مع حوار الأديان الرسمي

الحوار الديني المؤسسي — المؤتمرات والبيانات المشتركة والزيارات التشريفية — له قيمته في إرسال رسائل سياسية ورمزية. لكنه محدود الأثر في تغيير الصور النمطية عند عامة الناس.

ما يُغيّر الصور النمطية هو الجار الذي يعرفك وتعرفه، والزميل الذي يفهم لماذا لا تأكل لحم الخنزير وتحترمه في ذلك، والصديق الذي رأى كيف تتعامل مع الاختلاف العقدي بدون عداء.

هذا النوع من التعارف لا يحتاج جمعيات أو برامج — يحتاج إرادة شخصية وشجاعة على الحضور.