من ذاكرة التسعينات: صديقان تونسيان في دمشق وخيبة أمل مشتركة وكان من أصدقائي المقربين في صفاقس اثنان ذهبا للدراسة في دمشق:

  • أحدهما سجّل نفسه في مدرسة صوفية تابعة لمفتي سوريا حينها، أحمد كفتارو.. وهي مجمع أبي النور.

  • والثاني تشيّع وسجّل نفسه في حوزة دينية شيعية تابعة للمرجعية الرسمية للخميني/الخامنائي.. وتلقى دروسا موازية على يد بعض تلاميذ محمد حسين فضل الله..

بقي الاثنان قرابة 5 سنوات هناك، وتفرقت بينهما السبل.. إلا أنهما عادا إلى صفاقس بعد الاستفتاء الرئاسي السوري سنة 1999..

حسب أرقام تلك الحقبة، كانت نسبة المشاركة في الاستفتاء 98.5% (9 مليون ناخب)، ونسبة التصويت لحافظ الأسد: 100%.. وعدد الأصوات غير الموافقة (219 شخصا).

حكى لي الاثنان صدمتهما من حجم التضليل الدعائي، والترهيب التي كان يعيشها الناس.. وأن شوارع البلاد والمحلات العامة والخاصة تم إغراقها بصور حافظ ومعها كلمة وحيدة بالبنط العريض: نعم.. نعم.. نعم..

وحدثني الاثنان حينها عن سخرية ورفض أصدقاءهم السوريين من الصوفية ومن الشيعة لعملية الاستفتاء، باعتبارها استبدادا وغسيل دماغ. ولكن بدون جرأة على المعارضة العلنية..

واتفق الاثنان على حصول خيبة أمل كبرى في الوضع السوري، أدت بهما إلى الهروب والعودة إلى تونس في أواخر 1999 أو بداية 2000.

ما يُقوله هذا عن سوريا

تجربة الصديقين تُعبّر عن شيء ظل صامدًا عقودًا في سوريا: الناس يعرفون الحقيقة لكنهم يخافون قولها. الفجوة بين الوعي الخاص والخطاب العام كانت ضخمة — وهذا بالضبط ما يصنعه النظام الاستبدادي: مجتمعًا يُفكّر بطريقة ويتكلم بطريقة أخرى.

خاتمة

عودة الصديقين خائبين في أواخر 1999 كانت في حقيقتها استعادة للسلامة — قبل أن يتحوّلا إلى أدوات في يد أنظمة تستخدم الدين والروحانية غطاءً لأجندات سلطوية.