تعيش الخطوط الجوية التونسية منذ سنوات حالة تدهور غير مسبوقة في تاريخها، جعلت صورتها تتراجع محليًا ودوليًا، وأفقدتها ثقة المسافرين الذين عانوا من التأخيرات والإلغاءات وسوء الخدمات.
وإذا كانت الشركة قد واجهت صعوبات في الفترة الممتدة بين 2015 و2019، فإن السنوات الخمس الأخيرة (2020–2025) مثّلت مرحلة الانهيار الهيكلي، حيث اجتمعت الأزمات المالية والتسييرية والتشغيلية لتضع الناقلة الوطنية في أدنى المراتب عالميًا.
انحدار جودة الخدمات والتصنيفات
من أبرز مظاهر الأزمة الحالية الانحدار المقلق في جودة الخدمات. فقد صنّف تقرير AirHelp لعام 2024 الخطوط التونسية في المرتبة الأخيرة عالميًا (109 من أصل 109)، مع تقييم متدنٍّ للغاية في الالتزام بالمواعيد والتعامل مع شكاوى الحرفاء.
وفي صيف 2025، شهدت الشركة ما وُصف بـ”فوضى تشغيلية غير مسبوقة”، حيث ألغيت أو تأخرت عشرات الرحلات، ما اضطر وزارة النقل إلى اتخاذ إجراءات طارئة وإعفاء مسؤولين كبار.
الأسطول لم يكن بمنأى عن الأزمة. ففي ذروة الموسم السياحي 2025، لم يتجاوز عدد الطائرات الجاهزة للتشغيل 10 طائرات، بعدما كان الهدف بلوغ 14 طائرة في صيف 2024، بينما ظلّت بقية الطائرات مركونة بسبب أعطال وصعوبات صيانة وغياب التمويل الكافي لتجديد الأسطول. هذا التراجع الحاد انعكس مباشرة على القدرة التشغيلية للشركة، وأدى إلى فقدان ثقة أسواق رئيسية مثل مونتريال وباريس.
أزمة الحوكمة وسوء الإدارة
لم تقتصر الأزمة على الجانب التشغيلي، بل تفاقمت بسبب سوء الحوكمة. فقد شهدت الشركة في السنوات الأخيرة تغييرات متكرّرة في إدارتها العليا، أُقيل خلالها عدد من الرؤساء المديرين العامين تحت ضغط الأزمات. وفي جويلية 2024، تم الاحتفاظ بالرئيس المدير العام على خلفية شبهات فساد مالي وإداري، مما زاد من اهتزاز صورة الناقلة الوطنية. كما ساهمت التوترات الاجتماعية والإضرابات المتكرّرة لعمال الشركة وفروعها، على غرار “تونس إير تكنيكس”، في تعطيل الصيانة والإضرار باستمرارية الخدمات.
خسائر مالية قياسية
من الناحية المالية، سجّلت الخطوط التونسية خسائر قياسية بلغت حوالي 337 مليون دينار سنة 2020 مقابل 18.9 مليون دينار فقط في 2019. كما وصلت النتائج المرحّلة السالبة في نهاية 2020 إلى 1.5 مليار دينار، وهو رقم يكشف حجم العجز المتراكم.
ورغم تسجيل ارتفاع طفيف في الإيرادات وعدد المسافرين سنة 2024 (+2.6% و+2% على التوالي)، فإن ذلك لم يكن كافيًا لتدارك الأزمة، ما دفع الدولة إلى إدراج الشركة ضمن خطة إعادة هيكلة المؤسسات العمومية.
مؤشرات الأزمة المبكرة (2015-2019)
إذا عدنا إلى الفترة الممتدة بين 2015 و2019، نجد أن المؤشرات السلبية كانت موجودة بالفعل، لكنها لم تبلغ المستوى الكارثي الحالي.
في 2019، سجّلت الشركة تراجعًا بنسبة 9.9% في حركة المسافرين بسبب عجز في عدد الطائرات، واضطرت لإلغاء رحلات مُسبقة. كما نبّهت محكمة المحاسبات إلى اختلالات في التسيير وشبهات ممارسات غير شفافة. ورغم ذلك، بقيت الخسائر المالية محدودة نسبيًا مقارنة بما عرفته الشركة بعد 2020.
الفارق إذن يكمن في أن 2015–2019 مثّلت مرحلة الإنذار المبكّر، بينما تحوّلت 2020–2025 إلى مرحلة الانهيار الفعلي، حيث اجتمعت الأزمة المالية مع سوء الحوكمة وتقادم الأسطول لتضع الشركة في أدنى مستويات الأداء عالميًا.
جدل الخصخصة والبدائل
دعاة الخصخصة يستندون عادةً إلى اعتقاد كفاءة القطاع الخاص على حسن الإدارة، وترشيد النفقات، وضمان دقة المواعيد.
ويرون أنّ الدولة عاجزة عن ضخّ الأموال لتجديد الأسطول، بينما المستثمر الخاص قد يجلب رأسمال وتكنولوجيا حديثة.
ويرون أنها ترفع العبء عن المالية العمومية.
لكن مقابل ذلك، هناك مخاطر جدّية، خاصة إذا نظرنا لها من زاوية اجتماعية ديموقراطية:
-
فقدان الوظيفة الاجتماعية: الخطوط التونسية ليست شركة تجارية فقط؛ هي رمز سيادة، ووسيلة لربط التونسيين في الداخل والخارج، خصوصًا الجالية. وخصخصتها قد تجعل هذه الأبعاد ثانوية أمام منطق الربح.
-
التسريح والضغط على العمال: الخصخصة عادةً ترافقها إعادة هيكلة قاسية (تسريحات، خفض امتيازات، إضعاف النقابات).
-
التذاكر والخطوط غير المربحة: مستثمر خاص قد يُبقي على الخطوط المربحة (أوروبا الغربية، الخليج) ويهمل الخطوط التي تخدم مناطق أو جاليات صغيرة لكنها استراتيجية.
-
خطر الاحتكار الأجنبي: خصخصة جزئية أو كاملة قد تعني دخول شركات أجنبية تتحكم في قطاع سيادي وحسّاس.
موقفي كيساري اجتماعي ليس رفضًا مطلقًا للتغيير، بل دفاع عن مصلحة جماعية ضد منطق السوق المحض. البدائل تشمل:
-
الإصلاح الداخلي الشامل: تحديث الأسطول، إعادة هيكلة الإدارة، إصلاح منظومة الحوكمة (بقطع مع المحاباة والفساد).
-
شراكة عمومية–خاصة: يمكن إدخال مستثمرين في بعض الأنشطة (الصيانة، المناولة، خدمات أرضية) دون التفريط في الملكية الوطنية.
-
فصل الوظيفتين: الحفاظ على “Tunisair” كناقل وطني (رمزي وسيادي) وإحداث فروع تجارية أو منخفضة الكلفة تنافس في السوق بمرونة.
هذا واقعيا ما تقوم به عدة شركات طيران دولية..
أزمة تُختزل في ثلاثية قاتلة
تُختزل أزمة الخطوط التونسية في ثلاثية قاتلة: أسطول متقادم، وحوكمة مختلّة، ونزيف مالي.
وإذا لم تُطلق الدولة خطة إنقاذ جذرية تشمل تجديد الأسطول، إعادة هيكلة الإدارة، وضمان الحوكمة الرشيدة، فإن مستقبل الناقلة الوطنية يظل مهدّدًا.
والمسألة لم تعد أزمة ظرفية، بل أزمة وجودية تهدّد بغياب اسم “الخطوط التونسية” من السماء التي حلقت فيها طوال سبعين عاما..