كتب الدكتور محمد أمين بننور، أحد المشاركين في التحضيرات لـ”أسطول الصمود” نحو غزة، منشورًا أعلن فيه انسحابه من القافلة قبل انطلاقها. ومبرّره الأساسي لم يكن صعوبات لوجستية ولا خلافات تنظيمية، بل ظهور مشارك تونسي أعلن انتماءه إلى الحركة الكويرية (المثليين)، ما اعتبره “اختراقًا” و”خطًّا أحمر” دفعه إلى الانسحاب.
هذا التبرير يستحق وقفة منهجية، ليس فقط لأنه قرار شخصي، بل لأنه يعكس ذهنية متكرّرة تضعف العمل التضامني وتشوّه رسالته.
السياق العام لقافلة الصمود
أسطول الصمود لم يكن مجرّد وسيلة لإيصال مساعدات، بل كان في حد ذاته بيانًا سياسيًا للعالم: أن فلسطين ليست قضية فصيل أو تيار أو دين بعينه، بل قضية جامعة توحّد المختلفين والمتناقضين. فقد شارك فيه يساريون ملحدون، ونشطاء تقدميون، وشباب محافظون متدينون، وكلهم اجتمعوا حول هدف واحد هو مقاومة الحصار وكسر عزلة غزة. قوّة القضية الفلسطينية تكمن بالضبط في هذه القدرة على توحيد الأضداد.
لكن هنا يُطرح سؤال حارق: كيف نفسر قضية قادرة على جمع أشخاص يختلفون حول جوهر الوجود نفسه، ومع ذلك تتفكك بسبب هوية شخص واحد؟ ألا يكشف هذا عن خلل في سلم الأولويات، وعن ضياع للبوصلة أمام امتحان صغير؟
قرار الانسحاب: مفارقة غريبة
قرار الانسحاب يكشف عن مفارقة غريبة لا يمكن تجاهلها. فمن جهة، استوعب الفصيل الإسلامي المشاركة إلى جانب أيديولوجيات تنقض أصل وجود الدين نفسه، كاليسار الملحد، دون أن يعتبر ذلك “اختراقًا” يستوجب الانسحاب.
ومن جهة أخرى، رفض وجود شخص واحد يعلن انتماءه لهوية جنسية مغايرة، وهو في نهاية الأمر سلوك فردي، أقل خطورة في سلّم الأولويات الدينية.
أيهما أخطر دينيًا: الإلحاد الذي ينكر العقيدة من أساسها، أم المثلية التي تُعتبر معصية فردية في السلوك؟
المفارقة أن ما هو أخطر جرى استيعابه بحجة التحالف، بينما جرى رفض ما هو أقل خطرًا بحجة النقاء الأخلاقي.
هذا التناقض يطرح تساؤلات حادة حول فقه الأولويات في العمل العام، ويكشف عن انتقائية في تطبيق المبادئ لا ورعًا صادقًا.
الاختراق: قراءة معاكسة
إذا كان الحديث عن «اختراق»، فلماذا لا نقرأه قراءة استراتيجية معاكسة؟ بدلاً من اعتباره خطًّا أحمر، كان يمكن أن يكون مكسبًا تحويليًا. أليس جديرًا بنا أن نحتفي بمثليّ تجاوز أسئلته الوجودية الخاصة ليتفرغ لقضية إنسانية كبرى، هي الدفاع عن الشعب الغزاوي؟
ثم لنسأل بصراحة: ألم يكن هذا يمكن أن يكون لحظة لإثبات النضج الأخلاقي والفكري لحركة التضامن، من خلال احتضان حليف غير متوقع؟
ألم يكن ذلك سيُظهر للعالم أن القضية الفلسطينية ليست حكرًا على تيار بعينه، بل باب مفتوح لكل من يقف ضد الظلم، مهما كانت هويته الشخصية؟
ما ضاع هنا ليس “طهارة الصفوف”، بل فرصة ثمينة لإظهار رحابة القضية الفلسطينية وعمق إنسانيتها.
الخطوط الحمراء والطهارة السياسية
لغة “الخطوط الحمراء” و”الطهارة الأخلاقية” حين تتحوّل إلى معيار للمشاركة السياسية تقدّم صورة سلبية عن الإسلاميين: صورة تيار محافظ لا يحتمل الاختلاف، ويسعى إلى فرض أجندته الدينية حتى في المبادرات التضامنية العابرة للانتماءات.
والنتيجة المباشرة هي تآكل المصداقية أمام الرأي العام، وخسارة ثقة شرائح واسعة من الشباب والمثقفين الذين يبحثون عن عمل مشترك من أجل فلسطين دون أن يُطلب منهم المرور عبر امتحان عقائدي مسبق.
القضية تحتاج أوسع جبهة تضامن
القضية الفلسطينية تحتاج إلى أوسع جبهة تضامن ممكنة. أي خطوة تقصي المختلفين ــ سواء كانوا يساريين أو ملحدين أو مثليين ــ تُضعف بالضرورة قدرة الحملة على التحشيد. المتبرعون والمتطوعون والمتابعون عندما يرون الجهود تُفشَل بسبب اعتبارات غير جوهرية، تصيبهم الحيرة والإحباط، ويشعرون أن الإسلاميين عاجزون عن تقديم مشروع جامع.
هذا لا يضر فقط بصورة الإسلاميين، بل يعيق بشكل مباشر أي إمكانية لتوسيع الجبهة التضامنية التي تشكّل شرطًا لازمًا لممارسة ضغط فعلي على الاحتلال.
توضيح: ليس دفاعًا عن المثلية بل رفض للإقصاء
من المهم أن أوضّح: موقفي ليس دفاعًا عن المثلية ولا دعوة للتطبيع معها. إنما هو رفض لما يمكن أن يُسمّى الورع الانتقائي، أي استخدام الدين كمعيار ظرفي لتبرير الانسحاب أو الإقصاء. هذا الورع الانتقائي لا يحمي الدين ولا يخدم فلسطين، بل يبدّد الجهود ويزرع الانقسامات. أهل غزة بحاجة إلى دعم فعلي ملموس، لا إلى اختبارات أخلاقية تعجيزية تقسم الناس بين “نقي” و”مدنّس”.
إنسحاب بننور قدّم للبعض صورة “مرجلة” عاطفية، لكنه عمليًا قوّض المعركة المركزية ضد الاحتلال، وحوّلها إلى معركة ثانوية ضد المختلفين. المطلوب في المرحلة القادمة هو وعي أعمق بأن العمل التضامني الفعّال لا يقوم على تطهير الصفوف، بل على جمعها رغم اختلافاتها.
الرهان ليس على من “يمثل الإسلام” بصورة أنقى، بل على من يخدم فلسطين بصورة أنجع.
وإن كانت غزة هي البوصلة، فكل ما يفرّق الصف عنها “انحراف”، وكل ما يجمع الصف نحوها “أولوية”.