هناك ظاهرة واضحة في خطاب بعض الشباب المتدين: حين يعجز عن مواجهة الواقع المركّب، يلجأ إلى تبسيطه عبر ثنائية “الطاهر/النجس”، “المؤمن/الكافر” — فيختصر القضايا الكبرى في تصفية حسابات هووية وأخلاقية.
انتقدت هذه الظاهرة وأنا عضو في حركة النهضة في 2011-2013، وانتقدتها في كل مرحلة تالية. واستمرارها عبر هذه السنوات يُخبرنا أنها ليست ظاهرة مرحلية — هي نمط ثقافي متجذّر.
كيف تعمل هذه الثنائية؟
الثنائية تُريح صاحبها من عناء الفهم: بدل التفكير في تضارب المصالح والسياقات التاريخية وتعقيد الفاعلين، تكفيه إجابة واحدة: هذا الطرف طاهر وذاك نجس. هذا يريد الإسلام وذاك يريد هدمه.
والنتيجة: مواقف تتحرك بالتعاطف الهووي لا بالتحليل — دعم من يُعدّ “طاهرًا” حتى حين يرتكب خطأً، ورفض من يُعدّ “نجسًا” حتى حين يُصيب.
لماذا تستمر هذه الثنائية؟
جزء من الإجابة في التعليم الديني المتاح: كثير منه يُدرّب على الحفظ والتصنيف لا على التحليل والتمييز. والشاب الذي تعلّم أن العالم فسطاطان — إسلام وجاهلية، حق وباطل — يجد صعوبة حقيقية في التعامل مع رمادية الواقع حين يُصادفها.
وجزء آخر في الفضاء الرقمي الذي يُكافئ الوضوح الزائف ويُعاقب التعقيد الصادق. منشور يُصنّف الناس يحصل على تفاعل أكثر من مقال يُمييز بين المواقف.
ما يختلف في الفقه الكلاسيكي
الفقه الإسلامي الكلاسيكي في أحسن صوره لم يكن يعمل بهذه الثنائية المُغلقة. كان يُمييز بين النية والفعل، وبين الاجتهاد الصواب والاجتهاد الخاطئ كلاهما مقبول، وبين الحكم على الفرد والحكم على الحالة. هذا التمييز الدقيق هو ما تُفقده الثنائية الثنائية المُغلقة.
خاتمة
ثنائية الطاهر/النجس ليست إسلامًا — هي قصور في التفكير يلبس ثوب الورع. والخروج منها لا يعني التخلي عن المرجعية الدينية — يعني تطوير الأدوات المعرفية التي تُتيح التعامل مع الواقع بتعقيده الحقيقي مع الاحتفاظ بهذه المرجعية.
وأكثر ما يُخسره الشاب المتديّن حين يعمل بهذه الثنائية هو الفرصة الحقيقية للتأثير في المحيط الذي يريد تغييره. لأن من يُصنّف الناس قبل أن يفهمهم لن يُقنع أحدًا — سيُعزّز قناعاته الخاصة ويُصادق من يشاركونه إياها، وهذا دوران في الدائرة الصغيرة لا دعوة حقيقية إلى الأوسع.
كيف ينشأ هذا النمط؟
جزء من الإجابة في طبيعة التعليم الديني المتاح: كثير منه يُدرّب على الحفظ والتصنيف لا على التحليل والتمييز. المنهج الذي يُعلّم “هذا حلال وهذا حرام، هذا مسلم وهذا كافر” دون أدوات للتعامل مع الحالات الوسطى يُنتج عقولًا تبحث دائمًا عن الثنائية الواضحة.
والفضاء الرقمي يُضخّم هذا الميل: الخطاب الثنائي الحاد أسرع انتشارًا وأسهل استيعابًا من التحليل المركّب.
التمييز الذي يُغيب
ما يغيب في ثنائية الطاهر/النجس هو الأداة الفقهية الكلاسيكية الأساسية: التمييز بين الحكم على الفعل والحكم على الشخص، وبين الحكم في الدنيا والحكم في الآخرة، وبين الظاهر والباطن.
الفقهاء الكلاسيكيون الكبار كانوا أشد حذرًا بكثير في الأحكام العامة مما يُظهره هذا الخطاب الشبابي. الغزالي وابن القيم وابن حجر — لا يجد القارئ لهم هذا الاستعداد السريع للتصنيف والإقصاء.
الشباب المتديّن الآخر
لا يجوز تعميم هذا النمط على كل الشباب المتديّن. هناك شباب متديّن يقرأ ويُفكّر ويُراجع ويُسائل — وهؤلاء يعانون أيضًا من هذا الخطاب الثنائي لأنه يضغط عليهم من الداخل.
المشكلة في الأصوات الأعلى لا في الغالبية الصامتة.