حجبت اثنين من الشباب المتدين — أحدهما إعلامي تلفزيوني في تركيا — بسبب التسرّع في تحويل أي اختلاف فكري إلى اتهام بالتعالي أو الغرور أو التكبر.
هذا في الحقيقة ليس نقاشًا. هو وسيلة الضعيف للهروب من الاستدلال.
الأسلوب الذي أعتمده
أكتب قدر الإمكان بالاعتماد على الحجة والدليل لا طلبًا للشهرة ولا للجدل. ومن يختلف معي فله أن يُبيّن موضع الخلل في حجتي لا أن يُسقط على شخصي صفات لا علاقة لها بالمستوى الفكري للنقاش.
الخطأ الجوهري في هذا النمط هو الخلط بين “لا أستطيع الردّ على هذه الحجة” و”صاحب هذه الحجة متكبّر.” الأول اعتراف بضعف الحجة المقابلة، والثاني تهرّب من الاستحقاق الفكري بتحويل النقاش إلى حكم على الشخص.
لماذا يحدث هذا بكثرة في الفضاء الديني؟
في البيئات الدينية المغلقة، النقد يُفهَم كثيرًا كتهديد للهوية لا كدعوة للتفكير. حين يُصبح الرأي الديني جزءًا من الانتماء الجماعي، فإن تحديه يُشبه تحدي الانتماء نفسه. وردّ الفعل الطبيعي على تحدي الانتماء هو الدفاع لا النقاش.
لكن هذه الاستجابة — رغم أنها مفهومة نفسيًا — تُعطّل النمو الفكري وتُحوّل الفضاء الديني إلى مساحة محصّنة ضد المراجعة.
أخلاقيات النقاش الجاد
النقاش الجاد يلتزم بمعيار واحد: هل الكلام صحيح؟ كيف نعرف؟ ما الدليل؟
كل شيء آخر — أسلوب المتكلم وشخصيته وانتماؤه ومزاجه — خارج الموضوع. من يحاسب الأفكار بمعيار أصحابها بدل الحجج لا يُقيّم الأفكار — يُقيّم الأشخاص. وهذا بالضبط ما يُعطّل كل نقاش حقيقي.
ومن لا يستطيع الفصل بين الحجة وصاحبها لن يتعلم من أي نقاش شيئًا — لأنه يبحث عن تأكيد لا عن فهم.
الحجب كإعلان ضمني
الحجب حق مشروع لكل مستخدم. لكن حجب من تختلف معه فكريًا قبل الرد على حجته هو إعلان ضمني بأن الحجة لا جواب عندك لها.
والجمهور الذي يتابع النقاش قادر على ملاحظة هذا الفارق بين من يُجيب ومن يُقصي.
خاتمة
الفضاء الرقمي يُتيح لكل شخص اختيار من يرى ومن يسمع. لكن بناء فقاعة تُريحك من التحدي الفكري لا يُطوّرك — يُحكم عزلتك. والعقل الذي لا يُتحدَّى لا ينمو.
والذي يحجب المختلف معه فكريًا يُطوّر فقاعة تُريحه لكنها تُعطّله. لأن العقل الذي لا يُتحدَّى لا ينمو. والشخص الذي يعيش بين من يوافقونه دائمًا لا يعرف حدود قناعاته ولا يُطوّرها. والحجب الانتقائي المبني على الاختلاف الفكري هو في نهاية المطاف إعلان للاكتفاء الذاتي الذي لا يُنتج نموًا.
الشبكات الاجتماعية وتحويل الجدل إلى مسابقة
الفضاء الرقمي يُضخّم هذا النمط. منصات مثل فيسبوك وتويتر/X تُكافئ الردود السريعة والحادة — الغضب والإدانة يجمعان التفاعل. الحجة الهادئة المنطقية تحتاج وقتًا للقراءة وتفكيرًا للاستيعاب — وكلاهما نادران في ثقافة التمرير السريع.
النتيجة أن من يُغلق الحوار بـ”أنت متكبّر” قد يحصل على تعليقات تضامنية أكثر ممن يقدّم ردًّا فكريًا حقيقيًا. وهذا الحافز يُعيد إنتاج النمط باستمرار.
ما يُنتجه هذا في المجتمع الفكري
حين تنتشر ثقافة “الحجب عوضًا عن الرد”، يحدث شيء خطير: يتضيّق الفضاء المتاح للنقاش الجاد. المفكرون والكتّاب يتعلمون تدريجيًا أن كتابة ما يُزعج بعضهم ستُكلّفهم حربًا شخصية لا مناقشة فكرية. وبعضهم يُقرّر الصمت — وهذا خسارة حقيقية للفضاء العام.
معيار بسيط للنقاش الجاد
قبل حجب أي شخص تختلف معه فكريًا، اسأل نفسك: هل استطعت الرد على حجته؟ إذا كان الجواب لا — فالحجب إعلان بذلك.
وإذا كان الجواب نعم — فلماذا لم تردّ؟