الحوار الدائر حول حركة “مواطنون ضد الانقلاب” هو بالنسبة إليّ بمثابة الحديث “بعد خراب مالطة” — الاستعداد يأتي بعد أن تُحسَم الوقائع الكبرى.

ما تعنيه العبارة

عبارة “بعد خراب مالطة” في التراث العربي تُشير إلى من يُبدي استعداده أو حكمته بعد أن تنتهي اللحظة التي كانت فيها قيمة لهذا الاستعداد. المثل مرتبط بتاريخ جزيرة مالطة التي تعرّضت لحصارات متكررة — ومن يُعلن الاستعداد بعد انتهاء الحصار يُعلن شيئًا لا قيمة له في تلك اللحظة بعينها.

النقاشات التي تأتي متأخرة

الجدل الراهن حول هذه الحركة — هل بُنيت على أسس سليمة؟ هل كانت مواقفها صحيحة؟ هل أخطأت في هذه النقطة أو تلك؟ — كان ينبغي أن يكون مستمرًا في وقته، لا يُطرح بعد أن انحسرت اللحظة.

المراجعات المتأخرة قيّمة لكن قيمتها أرشيفية وتعليمية لا قرارية. من يراجع الماضي ليتعلم منه للمستقبل يفعل شيئًا مفيدًا. من يراجعه ليُثبت أنه كان على حق من البداية لا يُنتج معرفة — يُنتج اعتذارًا أو اتهامًا.

الخلل في التقييم اللحظي

ما يكشفه هذا النمط المتكرر هو خلل في ثقافة التقييم السياسي العربي: التقييم يأتي بعد الأحداث لا معها. والأسباب متعددة: الخوف من الموقف في اللحظة الحرجة، والانتظار حتى تتّضح “الكفة الرابحة”، والميل الثقافي للحكم بالنتائج لا بالمنهج.

لكن الموقف السياسي الأخلاقي الحقيقي يُتّخذ في وقته بالمعطيات المتاحة — ويُراجَع علنًا حين تتغير المعطيات. هذا هو المعيار الأمين لا انتظار الحسم ثم ادعاء أن الموقف “كان دائمًا” هو ما يقوله المرء اليوم.

ما يُبنى على هذا

الفضاء العام يحتاج تحليلًا يعمل في الزمن الحقيقي لا في الزمن الأرشيفي. يحتاج من يستطيع أن يقول “في تقديري الآن…” مع وعي بمحدوديات هذا التقدير — ومن يستطيع مراجعة ما قاله علنًا حين تستوجب المعطيات ذلك.

هذا النوع من الحضور المسؤول في الفضاء العام — المراهن والمراجع والمتعلم في آن — هو ما يُفتقَد أكثر مما يُفتقَد الصواب الدائم.

الفضاء العام الصحي يحتاج ثقافة تقييم تعمل في الزمن الفعلي لا في الزمن الأرشيفي. يحتاج من يستطيع أن يقول ‘هذا تقديري اليوم بالمعطيات المتاحة’ ثم يراجعه علنًا حين تتغير المعطيات دون خجل. هذه الأمانة الفكرية هي ما يجعل الصوت موثوقًا على المدى الطويل.

ما كان يجب أن يحدث قبل

قبل أن تتشكّل حركة “مواطنون ضد الانقلاب” وتُعلن عن نفسها ومواقفها وأدواتها، كان الوقت المناسب للنقاشات الجوهرية: ما طبيعة هذه الحركة؟ لمن تُخاطب؟ ما حدود دورها؟ ما آليات اتخاذ القرار فيها؟ ما موقفها من الائتلافات الممكنة والمستحيلة؟

هذه الأسئلة لا تُطرح في وسط المعركة — أو تُطرح ويصعب الإجابة عنها بهدوء.

النمط الأوسع

ظاهرة “الحوار بعد خراب مالطة” ليست خاصة بهذه الحركة. هي نمط متكرر في السياسة التونسية والعربية:

نُشكّل تحالفات في لحظة الحماسة دون تأسيس منهجي كافٍ، ثم نكتشف الخلافات البنيوية حين يحين وقت الاختبار الحقيقي، ثم نتناقش بعد أن يكون الضرر قد وقع.

الدرس ليس “لا تتحالفوا” — بل “تحالفوا ببطء أكبر وتحضير أعمق.”

البنية التحليلية الغائبة

ما يفتقده الفضاء السياسي التونسي هو منظومة تقييم سياقية — أي القدرة على تقييم المشاريع والتحركات والتحالفات أثناء تشكّلها لا بعدها. هذا يحتاج:

  • مراكز بحث مستقلة تُنتج تقييمات في الوقت الحقيقي
  • ثقافة سياسية تُقدّر المراجعة الذاتية لا تعدّها اعترافًا بالهزيمة
  • إعلامًا تحليليًا يطرح الأسئلة الصعبة مبكرًا

خاتمة

“بعد خراب مالطة” ليست شتيمة — هي تشخيص. والتشخيص الصادق أولى خطوات العلاج.

لماذا نؤخّر التقييم؟

ثمة أسباب نفسية وثقافية تجعل التقييم المبكر صعبًا. في اللحظة التي تُشكَّل فيها حركة سياسية يسود الحماس، والحماس يُضيّق أفق التساؤل. من يطرح أسئلة نقدية في تلك اللحظة يُقال له “هذا وقت التوحّد لا التفريق.”

وهذا الضغط يُؤجّل النقاش حتى تأتي الأحداث بإجاباتها القسرية.

الحل ليس تجاهل الحماس بل بناء بنية تحليلية موازية — هيئة من المفكرين والمحللين يحتفظون بمسافة نقدية حتى في لحظات الحماس الجماعي، ويُنتجون تقييمات لا تُوقف العمل بل توجّهه.

ما الذي يمكن إنجازه الآن

رغم أن التوقيت الأمثل قد مضى، ثمة قيمة حقيقية في المراجعة الصادقة لما جرى. ليس لإعادة ما لا يُعاد، بل لاستخراج دروس تُفيد المرحلة القادمة: كيف نُشكّل الحركات؟ كيف نتفق على آليات المساءلة الداخلية؟ كيف نُدير الخلافات قبل أن تنفجر؟ هذه أسئلة يمكن الإجابة عنها الآن وتوظيفها في ما يأتي.