باعتباري من نوعية الناس الذين يشدّون ما يسيّبون — ما أُريد قوله يُقال حتى لو لم يُسمَع دائمًا.
النموذج التونسي: حصاد الاستقطاب
ما يجري في المشهد السياسي التونسي منذ أكثر من عقد — سواء في ما يتعلق بالتجاذبات حول “مواطنون ضد الانقلاب” أو في غيرها من نقاشات المشروعية والهوية — هو نموذج متكرر من معارك الهوية التي تستنزف طاقة المجتمع دون أن تُبني شيئًا.
بدل أن تكون البوصلة هي التنمية وبناء دولة المواطنة الفعلية، غرقنا في صراعات حول الانتماءات والهويات والتصنيفات: “مع الثورة ضد الثورة”، “علماني ديني”، “منسجم مع الانقلاب مقاوم له.”
ما يُعلّمه التاريخ المقارن
الدول التي بنت حضارات ونهضات لم تفعل ذلك إلا حين تحرّرت من الاستقطابات الهووية الحادة وجعلت البوصلة التنمية لا الهوية.
كوريا الجنوبية في الستينيات والسبعينيات كانت فقيرة ومقسّمة. ما غيّرها ليس حسم الصراعات الهووية بل التركيز الوطني على التعليم والبنية التحتية والتصنيع. إيرلندا التي كانت تُعاني من صراعات دينية وسياسية حادة اختارت في لحظة معينة أن تجعل النمو الاقتصادي الأولوية الجامعة. الدول الاسكندنافية التي نجحت في بناء نماذج رفاه مستدامة فعلت ذلك على أساس توافق اجتماعي حول الأولويات لا على أساس انتصار هوية على أخرى.
لماذا الاستقطاب يستمر رغم فشله؟
الاستقطاب الهووي يستمر لأنه يُفيد أطرافًا محددة. السياسي الذي يُغذّي الاستقطاب يضمن قاعدة انتخابية وفيّة في مواجهة خصم مُشيطَن. والإعلام الذي يُسرف في الاستقطاب يضمن انتباهًا متواصلًا.
من لا يستفيد هو المواطن العادي الذي يريد وظيفة وصحة وتعليمًا لأطفاله ومواصلات تُوصله إلى عمله.
البديل الممكن
البديل لا يعني إلغاء الخلافات أو ادعاء وحدة وهمية. يعني تحديد الأولويات المشتركة التي تتجاوز الخلافات الهووية: هل نتفق على أن البطالة مشكلة يجب حلّها؟ هل نتفق على أن التعليم يحتاج إصلاحًا حقيقيًا؟ هل نتفق على أن الفساد يجب محاربته بغض النظر عن انتماء المتورطين؟
هذه الأسئلة تبني تحالفات وظيفية تتجاوز الخنادق الهووية.
خاتمة
ما يحتاجه السياق التونسي والعربي ليس مزيدًا من الانتماء والتعبئة الهووية — بل القدرة على العمل مع المختلف على ما هو مشترك. وهذه القدرة لا تأتي تلقائيًا — هي خيار يتطلب شجاعة سياسية وأخلاقية نادرة.
والوضع الراهن يُقدّم نموذجًا مثيرًا للتأمل: حين اختار بعض السياسيين التونسيين بناء مشروعيتهم على الإقصاء وليس على الإنجاز، حكموا على أنفسهم بمعركة هوية لا نهاية لها. لأن الإقصاء يستلزم خصمًا دائمًا — وحين تعجز عن تقديم إنجازات تبحث دائمًا عن عدو جديد.
البديل موجود وإن بدا بعيدًا: بناء مشروعية على الإنجاز — على توفير خدمات حقيقية وفرص عمل وتعليم وصحة — يجعل الاستقطاب الهووي ثانويًا لأن الناس يُقيّمون بما يُقدَّم لهم لا بمن يُقصَى.
هذا الخيار يستلزم شجاعة سياسية نادرة في السياقات الريعية والزبائنية. لكنه الخيار الوحيد الذي يُنتج دولة حقيقية لا مجرد إدارة للصراع.
والدرس الأعمق هو أن التنمية الحقيقية تستلزم إرادة سياسية واجتماعية للتخلي عن راحة الاستقطاب ولو مؤقتًا. من يفعل ذلك يخسر قاعدة انتخابية متحمسة على المدى القصير لكنه يبني مجتمعًا قادرًا على البناء على المدى الطويل. وهذه المبادلة هي الأصعب سياسيًا والأكثر ضرورة.
النموذج الوحيد الذي يكسر هذه الحلقة هو القائد الذي يُبني مشروعيته على إنجاز ملموس لا على خصم دائم. حين يرى الناس تحسينًا حقيقيًا في حياتهم اليومية، الاستقطاب الهووي يفقد جزءًا من بريقه. لأن الجوع الحقيقي لا يُشبَع بالانتصار على العدو الرمزي. هذا الدرس بسيط لكن تطبيقه يستلزم شجاعة سياسية نادرة.