بما أني أعيش في كندا، فمزاجي هذه الأيام هادئ ومرتاح. لذلك لست في وارد الدخول في جدالات عربية-عربية لا تنتهي.
المسافة والكتابة
حين أكتب في موضوع ديني أو سياسي، أكتب من زاويتي الخاصة بوعي تام بحجم الاستقطاب حول هذه القضايا. كتابتي ليست دعوة إلى سجال، بل هي تعبير عن وجهة نظر شخصية في أسلوب تأملي بعيد عن التهجم والتصنيف. من هذا المنطلق، لا أتوقع من الآخرين موافقتي ولا أفرض على أحد أن يتبنّى قناعاتي.
المسافة الجغرافية عن مراكز الصراع السياسي تمنح شيئًا ثمينًا: القدرة على النظر إلى الحدث دون أن تكون في قلبه. ما يبدو من الداخل معركة وجودية لا هوادة فيها، يبدو أحيانًا من الخارج خلافًا يحتمل الإدارة. والعكس صحيح: ما يُهوَّن به من الداخل يبدو أحيانًا من الخارج أكثر خطورة مما يُعترف به.
كلا المنظورين يُضيف ما لا يملكه الآخر وحده.
الهدوء ليس لامبالاة
أتابع ما يجري في تونس والمنطقة باهتمام حقيقي. ما يعنيه الهدوء هو رفض الانجرار إلى إيقاع الاستفزاز والردود الفورية التي تُحوّل كل خلاف إلى مواجهة وكل تأمل إلى موقف وكل موقف إلى اختبار للولاء.
الإنسان الذي يكتب بهدوء حول ما يجري لا يقل اهتمامًا — ربما اهتمامه أعمق لأنه يراه من زاوية أوسع وأقل انفعالًا. وهذا الاهتمام الهادئ كثيرًا ما يُنتج تحليلًا أكثر دقة من الحماسة اللحظية.
المهجر والمسؤولية
البُعد عن الوطن لا يُسقط المسؤولية — يُعيد تشكيلها. المقيم في المهجر لا يعيش الضغط الاجتماعي المباشر الذي يُحوّل كل موقف إلى اختبار ولاء. هذا الانفكاك النسبي قد يُتيح رؤية أوضح لبعض الأمور، كما قد يُفوّت تفاصيل حياتية لا تُرى إلا من الداخل.
الكتابة الأمينة تعترف بكلا المحدوديتين دون مبالغة في امتيازات المسافة ودون تجاهل لمحدودياتها.
الكتابة للفهم لا للانتصار
الكاتب الذي يكتب للفهم يختلف اختلافًا جذريًا عن الكاتب الذي يكتب للانتصار على خصم أو لكسب تأييد جمهور. الأول يستطيع أن يُغيّر رأيه حين تُغيّره الأدلة. الثاني محاصر بما أعلنه ولا يستطيع التراجع بدون خسارة.
أحاول أن أكون من الأول. وهذا لا يعني أنني دائمًا أنجح في ذلك — لكنه يعني أن المحاولة هي المعيار.
خاتمة
ربما أكثر ما تمنحه الغربة لمن يكتب هو هذا الهدوء النسبي الثمين — البُعد عن الضغط الذي يجعل كل فكرة اختبارًا وكل موقف انتماءً. هذا الهدوء ليس رفاهية — هو شرط من شروط الكتابة الأمينة التي تخدم الفهم قبل أي شيء آخر.
الكاتب المقيم في المهجر يملك امتيازات معرفية حقيقية: مسافة من الضغط، وتجربة مجتمعية مختلفة، وإمكانية المقارنة بين نموذجين. لكنه في الوقت نفسه يفتقر إلى شيء ثمين: اليوميات والحرارة الحية للحظة والضغط الاجتماعي المباشر الذي يُشكّل الخيارات الفعلية.
الكتابة الأمينة تعترف بكلا الجانبين. لا تبالغ في امتيازات المسافة كأنها تمنح يقينًا لا يملكه من هو في الداخل. ولا تتجاهل القيمة المضافة لرؤية المشهد من منظور أوسع وأقل انفعالًا.
ما أختاره هو الكتابة بهذا الوعي المزدوج: حاضر بمتابعتي وغائب عن ضغطها، مهتم بما يجري ومُحمَي من الانجراف العاطفي الذي يُشوّه الحكم. وهذا الوعي — حين يُوجَّه بأمانة — يُتيح كتابة تختلف عمّا يُنتجه الضغط اليومي، وقد تبقى لفترة أطول.
حين أرى ما يجري وأكتب عنه من هذه المسافة، أسأل نفسي دومًا: هل ما أراه حقيقي أم هو ما تُريه المسافة؟ الجواب أنه حقيقي ومشوَّه في آن — وهذا الاعتراف بالاثنين هو بداية الكتابة الأمينة.