حين نتحدث عن الانزعاج من الدين في المجتمعات الغربية أو حتى في بلداننا، كثيرًا ما نخلط بين كل المنتقدين ونضعهم في خانة واحدة: “أعداء الدين”. لكن الواقع أعمق.
هناك فعلًا من يرفضون الدين في جوهره ويحاربون وجوده في الحياة العامة. هؤلاء لا بد من مواجهتهم بقوة، ورسم حدود واضحة للحرية الدينية.
لكن هناك فئة أخرى مختلفة تمامًا: لا يرفضون الدين ولا ينزعجون من الصلاة أو الحجاب أو الصوم، بل ينزعجون من “بروفايل متكرر” لبعض المتدينين، أي صورة سلوكية سلبية صارت مرتبطة في الأذهان بالتدين.
المشكلة أن هذا البروفايل السلبي من المتدينين محدود مقارنة بالأغلبية الهادئة والمحترمة، لكنه هو الأكثر ضجيجًا وبروزًا في المشهد، وضجيجه يفسد على المتدينين الآخرين وعلى غير المتدينين أيضًا.
- خصائص “البروفايل السلبي” (مع القيم الإسلامية التي يناقضها)
من المهم أن نوضّح أن الأغلبية من المتدينين يعيشون تدينهم بهدوء واحترام، ولا يثيرون أي انزعاج. لكن هناك أقلية صاخبة تقدّم صورة مشوّهة عن التدين من خلال سلوكياتها، وهي الصورة التي تبقى في أذهان الناس وتُستخدم ذريعة للهجوم على الدين كله.
ما يلي ليس لوضع “تهمة جماعية”، وإنما لتسمية بعض هذه السلوكيات كما هي، ثم مقارنتها بما يعلّمه الإسلام فعليًا من قيم مضادة. الهدف أن نرى التناقض بين الضجيج والفوضى من جهة، وبين السكينة والنظافة والاحترام التي يفترض أن يفيض بها التدين الحقيقي من جهة أخرى.
الفوضوية: احتلال الفضاءات العامة والفوضى في التنظيم.
↔ الإسلام يدعو إلى النظام: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه».
قلة النظافة: ماء متناثر في أماكن الوضوء، أحذية مكدسة بروائحها.
↔ الطهور شطر الإيمان، والنظافة من الإيمان.
المظهر الاستعراضي: المبالغة في اللباس والطقوس على حساب الجوهر.
↔ الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
الضجيج: الجهر المزعج في الصلاة أو الأذكار في فضاءات غير مهيأة.
↔ الصلاة يفترض أن تزرع السكينة والوقار، لا الإزعاج.
فرض الهوية: تعطيل الآخرين وإجبارهم على احترام طقوس في فضاء مشترك.
↔ المسلم من سلم الناس من لسانه ويده.
الذهنية الإقصائية: التحدث باستعلاء أو احتقار للآخرين.
↔ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا…
إقحام الطقوس في كل ظرف: الصلاة في ممرات أو أماكن عشوائية بلا مراعاة للناس.
↔ لكل مقام مقال، ولكل عبادة أدبها وظرفها.
إهمال البعد الروحي: التدين يتحول لمظاهر خارجية بلا أثر داخلي.
↔ أقيموا الصلاة لذكري.
النزعة الجماعية القسرية: إصرار على صلاة جماعة كبيرة في فضاء ضيق، بينما المتاح صلاة فردية.
↔ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
إهمال القوانين والأنظمة: تجاهل تعليمات المؤسسات أو البلديات بحجة أن الحق في الصلاة فوق كل اعتبار.
↔ المؤمنون عند شروطهم.
عدم احترام الوقت: تأخير المواعيد أو تعطيل العمل بحجة الصلاة.
إطلاق الأحكام على الآخرين: تصنيف الناس بسرعة (هذا ملتزم، ذاك فاسق…).
↔ ولا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى.
- خطأ عدم التمييز: خطأ واحد يظلمنا ويظلمهم
الخطأ الذي نقع فيه كثيرًا هو أننا لا نُفرّق بين من يعادي الدين أصلًا، وبين من ينزعج من بعض صورنا وسلوكياتنا نحن. فنضع الاثنين في سلّة واحدة، ونردّ على أي نقد وكأنه عداء للإسلام. والنتيجة أننا نخسر فرصة إصلاح ذواتنا، ونترك الأقلية الصاخبة من المتدينين تُشوّه صورة الأغلبية الهادئة. هذا الخلط لا يظلم الآخرين فقط، بل يظلمنا نحن أيضًا، لأنه يحرمنا من المراجعة الذاتية ويجعلنا نُكرر الأخطاء نفسها بلا وعي.
- قيمة التمييز: حماية الدين من خصومه، ومن تشويه بعض أتبا
حين نميّز بين الفئتين، نصبح أكثر عدلًا وذكاءً:
الفئة الأولى، المعادية للدين، تحتاج إلى مواجهة بحسم لحماية الحق في التدين.
أما الفئة الثانية، المنزعجة من سلوكياتنا، فهي في الحقيقة تمدّ لنا مرآة لنرى أنفسنا بوضوح. تجاهها نحتاج إلى النقد الذاتي والتصحيح، لا إلى الصدام.
هذا التمييز يفتح لنا بابًا مزدوجًا: نحمي الدين من خصومه، ونحمي صورته من تشويه بعض أتباعه. وبذلك نعيد للتدين جوهره الأصيل: روحانية هادئة، نظيفة، راقية، تُلهم الآخرين بدل أن تُنفرهم.