اليوم، وبعد أن انتشرت بعض التقييمات وتباينت زوايا النظر، أضع قراءتي الشخصية التي تسعى إلى الاعتراف بما أُنجز وما أُخفق فيه.
ما أنجزه الحراك لم يكن سياسيًا مباشرا بقدر ما كان رمزيًا: كسَر جدار الخوف، وأبقى حيًّا الحد الأدنى من المعارضة المدنية السلمية، وذكّر بأن تعطيل المؤسسات ليس حدثًا عابرًا بل منعطفًا يحتاج موقفًا. كما كوّن نواة صغيرة من مثقفين وحقوقيين وناشطين أعادوا الاعتبار للاحتجاج السلمي المدني، حتى وإن بقيت القاعدة الاجتماعية محدودة.
لكن في المقابل كان التعثّر واضحًا:
داخليًا، ظهرت التباينات بين أطراف كانت تنتمي قبل الانقلاب لمواقع متقابلة سياسيا وفكريا وحزبيا، مع تنافس على الرمزية (أو هكذا بدا لي انطباعيا) وغياب آليات حاسمة لاتخاذ القرار.
ميدانيًا، ساد التكرار والرتابة، وحصل انطباع سلبي واحتقان بسبب من تقدموا لقيادة الساحة بقواعد غيرهم، فاهترأت القدرة على التعبئة وتآكل الحماس.
اجتماعيًا، ظلّت العاصمة عاجزة عن إنتاج كتلة احتجاجية وترك الحمل على قواعد منهكة قدمت من الجهات.
وفكريًا، لم يتحول الحراك إلى بيت خبرة ينتج البدائل ويختبرها في الواقع.
أما خارجيًا، فقد رسّخت السلطة قبضتها التشريعية والإدارية والإعلامية، في وقت استبشر فيه جزء من الرأي العام بالانقلاب، فصار هامش المناورة أضيق.
لذلك أعتقد أن التجربة فشلت وأخفقت في تحقيق غايتها السياسية المباشرة، رغم ما حققته كمكسب أخلاقي ومدني لا ينبغي إنكاره.
وتوصيف “الفشل” لا يقوم على الانطباع وحده، بل على معيار موضوعي: مقارنة النتائج بالأهداف. فكل حراك يُقاس بمدى اقتراب نتائجه من أهدافه المعلنة.
أهداف “مواطنون ضد الانقلاب” كانت واضحة: إسقاط حالة الاستثناء، إعادة المؤسسات الدستورية إلى عملها، فرض حوار وطني جامع، حماية المسار الديمقراطي، وصياغة بديل سياسي مدني.
وبعد سنوات من الحراك، لم يتحقق أيٌّ من هذه الأهداف، بل تراجعت الديمقراطية أكثر وتحوّل الحراك نفسه إلى دائرة أضعف. بهذا المعنى الكمي والنوعي يمكن القول إن التجربة فشلت، حتى وإن تركت رصيدًا رمزيًا لا يُستهان به.
السؤال المطروح اليوم:
هل نعتبر أن مهمة مراقبة الانقلاب انتهت وفشلت؟
وما مدى نجاح جبهة الخلاص الوطني التي ورثت “مواطنون ضد الانقلاب” لكنها سرعان ما تحولت إلى حراك سياسي خافت وضعيف؟
هل يعني ذلك أن الاحتجاج انتهى بانتصار الانقلاب، أم أن الممكنات المستقبلية ما زالت قائمة، في صيغ وأطر جديدة تحتاج إلى ابتكار؟
هذه أسئلة مفتوحة لا أملك أي جواب عليها، ولكنها تنتظر من القوى الوطنية والمدنية أن تجيب عنها بجدية، بعيدًا عن الإنكار أو الاكتفاء بترحيل الأزمات.
إضافة:
لم تكن تركيبة قيادة الحراك عامل قوة بقدر ما كانت مصدر صعوبة، إذ جمعت بين خلفيات سياسية وفكرية متباينة لم تستطع الانتقال السريع من منطق الاختلاف إلى منطق الالتقاء الكامل حول خطة مواجهة الانقلاب. كان الاتفاق في مثل هذا الوضع الاستثنائي أمرًا عسيرًا، وكل تردّد أو تباين انعكس مباشرة على قدرة الحراك في الميدان.
وهنا يظهر الفرق مع التجربة التركية، حيث تم إفشال الانقلاب في ساعاته الأولى بفضل نزول قواعد الحزب الحاكم والمعارضة معًا إلى الشوارع بأعداد ضخمة وبتماسك واضح. في تونس، للأسف، لم تنزل قواعد النهضة وباقي الأحزاب المعارضة بالأعداد الكافية لتخويف الانقلاب وإجباره على التراجع، فبقيت المبادرة محدودة الزخم وضعيفة الأثر.
توجد لحظتان حاسمتان تم التفويت فيهما
-
لحظة وقوف راشد الغنوشي أمام البرلمان المغلق: تلك كانت اللحظة الرمزية التي جسّدت الانقلاب بأوضح صوره. لو جرى تحشيد واسع وسريع حول المؤسسة التشريعية في تلك الساعات الأولى، كان من الممكن قلب الموازين أو على الأقل جعل كلفة الانقلاب أعلى بكثير على السلطة. كان عنصر المفاجأة ما يزال في صالح القوى المعارضة.
-
لحظة ضرورة تحريك الجهات: التركيز على العاصمة فقط جعل الحراك يبدو معزولًا أو محدودًا. بينما كان يمكن، لو تمّ تفعيل الجهات، أن يتوسع المشهد ويعكس أن الاعتراض ليس مجرد “حالة” في شارع واحد، بل حالة وطنية. كان ذلك سيُربك السلطة، ويخلق دينامية احتجاجية أوسع، وربما كان سيفرض عليها تنازلات أو مراجعات.