خمسون عامًا من التجربة لم تمنحني أوهام اليقين — بل منحتني شجاعة الاعتراف بالعجز.

أمضيت خمسة عقود في التعلم والتجريب والعمل والممارسة. هذا الرصيد أعطاني ما يكفي من المعرفة والأدوات لتحليل الماضي بعمق وفهم الحاضر بوعي والتخطيط العملي للمستقبل في إطار مهني وتنظيمي. لكن هذه التجربة المتمرّسة نفسها هي التي أقنعتني بمسلّمة واحدة: أنا عاجز عن استشراف المستقبل باليقين.

ما تُعلّمه التجربة الحقيقية

المبتدئ يملأه اليقين لأنه لم يرَ بعد كم المرات التي تُخطئ فيها التوقعات الواثقة. يرى النماذج بوضوح، ويعتقد أنه يستطيع التنبؤ بكل شيء إذا طبّق المنهج الصحيح.

الخبير الحقيقي يتعلم أن الواقع أكثر تعقيدًا من أي نموذج. أن المتغيرات التي لا نراها كثيرًا ما تكون أكثر تأثيرًا مما نراه. أن الأحداث الكبرى غالبًا تأتي من حيث لم يتوقعها أحد. وأن الثقة الزائدة في التنبؤ علامة على قصور في الفهم لا عمق فيه.

الفرق بين الخبرة والتحجّر

الخبرة الحقيقية تُنتج مرونة لا جمودًا. من يستخدم تجربته لتأكيد ما يعرفه سلفًا يُحوّل خبرته إلى سجن. من يستخدمها لطرح أسئلة أفضل يُحوّلها إلى مفتاح.

“خمسون عامًا من الخبرة” يمكن أن تعني خمسين عامًا من التعلم الحقيقي، أو عامًا واحدًا يتكرر خمسين مرة. الفارق هو في الانفتاح على التغيير وتحدي الفرضيات السابقة.

الشخص الذي يقول “في تجربتي دائمًا…” ويستخدم التجربة لإسقاط كل سؤال جديد يُعلن في الغالب عن تحجّر لا خبرة.

الاعتراف بالعجز كفضيلة فكرية

في ثقافة تُكافئ اليقين والحسم، الاعتراف بالعجز عن التنبؤ يُفسَّر أحيانًا كضعف أو تردد. لكنه في الحقيقة من أرفع درجات الصدق الفكري.

من يدّعي معرفة ما سيحدث في السياسة أو الاقتصاد أو العلاقات الإنسانية بيقين كامل إما لم يتعلم بعد، أو تعلّم ولكن الغرور أضاف نفسه على ما تعلّمه.

الحدود التي تُشكّل المعرفة

ما أعرفه اليوم بعد خمسة عقود: أستطيع أن أُحلّل الماضي جيدًا لأنه انتهى ويمكن قراءته. وأستطيع أن أفهم الحاضر بدرجة معقولة لأنني أملك أدوات قراءته. لكن المستقبل — مع كل الخبرة والأدوات — يبقى مجالًا يحتمل المفاجأة.

وهذا الاعتراف لا يُشلّ العمل — بالعكس، يجعله أكثر صدقًا. من يعرف حدوده يتصرف ضمنها بأمانة أكبر من الذي يتصرف كأنه يملك اليقين الكامل.

خاتمة

أكثر ما تمنحه إياك التجربة الطويلة ليس الإجابات الجاهزة — هو القدرة على طرح أسئلة أفضل، والتمييز بين ما يمكن معرفته وما يتجاوز قدرتنا على المعرفة. وهذا التمييز هو في ذاته معرفة نادرة وثمينة.

الاحتمالية بدل اليقين

ما تعلّمته التجربة الطويلة هو استبدال لغة اليقين بلغة الاحتمالية. بدل “سيحدث كذا” أقول “من المرجّح أن يحدث كذا في هذه الظروف.” وبدل “هذا هو الحل” أقول “هذا أفضل ما أستطيع تصميمه بالمعطيات المتاحة.”

هذه اللغة لا تُضعف القرار — تجعله أكثر صدقًا وأكثر مرونة. من يقرّر بلغة اليقين يجد نفسه مضطرًا للدفاع عن قراره بعيدًا عن مراجعته. ومن يقرّر بلغة الاحتمالية يستطيع أن يقول “المعطيات تغيّرت” دون أن يُشعر ذلك بالهزيمة.

وهذه في الواقع أكثر عملية في بيئات سريعة التغيّر كالتقنية أو السياسة أو الأعمال. اليقين الزائد يُعيق التكيّف.