يمثل مفهوم العنف الرمزي أحد المفاتيح الكبرى لفهم علاقة اللغة بالسلطة. وهو لا يعني القهر المادي أو الإكراه الظاهر، بل يشير إلى الشكل الأعمق والأخطر من السيطرة: السيطرة عبر الإقناع، أو بالأحرى عبر القبول الطوعي بالمعاني المفروضة علينا دون وعي. العنف الرمزي لا يُمارَس عندما يُقال لنا “اصمت”، بل عندما نردّد دون مقاومة ما قيل لنا إنّه الصواب.
في السياق التونسي، يمكن ملاحظة هذا العنف يوميًا في المؤسسات الإعلامية. فحين تُحدَّد طبيعة النقاش مسبقًا عبر اختيار الضيوف المتشابهين في الموقف، أو عبر صياغة الأسئلة بطريقة تقود الإجابات إلى اتجاه واحد، أو عبر تحديد أولويات المواضيع التي “تستحق” التغطية، فإنّ هذه الخيارات التحريرية تمارس عنفًا رمزيًا صامتًا قبل أن تُنطق أي كلمة على الهواء. البرنامج السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي يبدو متوازنًا ظاهريًا، لكنه في الواقع ينتج خطابًا واحدًا: خطابًا يخدم منطقًا محددًا في فهم الأزمة أو تفسير الحلول الممكنة.
اللغة هنا تعمل مثل الجاذبية: لا نراها، لكننا جميعًا نتحرك في فلكها. حين يُعاد بثّ نفس المفردات في نشرات الأخبار، والمقالات، وتصريحات المسؤولين، تصبح هذه المفردات هي الأرضية المشتركة التي يفكر الناس من خلالها، حتى لو لم يوافقوا عليها بالكامل.
كيف تعمل اللغة داخل الوعي الجماعي
العنف الرمزي ليس فكرة فلسفية مجردة، بل هو تجربة نعيشها يوميًا دون أن نشعر بها. إنه العنف الذي يُمارس على العقول لا على الأجساد، والذي لا يحتاج إلى شرطي ولا إلى قاضٍ، بل إلى مذيعٍ لبق أو خطابٍ رسمي منمّق أو منشورٍ يتكرر حتى يُصبح بديهيًا. يعمل هذا العنف من الداخل، في صمتٍ كامل، حين تُقنعك اللغة أنّ ما تسمعه طبيعي، وأنّ السؤال ذاته غير ضروري.
في الحياة اليومية للمواطن التونسي، تتكرر مفردات بعينها في نشرات الأخبار والتصريحات الرسمية والحوارات العامة، حتى تتحوّل إلى رموزٍ عاطفية أكثر من كونها مفاهيم عقلانية. فكلمة مثل “الإصلاح” لا تُقدَّم كمفهوم اقتصادي أو اجتماعي قابل للنقاش، بل كقدرٍ لا يُردّ. تُقال الكلمة بنبرة أبوية حازمة: “علينا أن نقبل بالإصلاح”، وكأنّ الإصلاح هو حقيقة فيزيائية أو قانون كوني، لا خيارًا سياسيًا له تبعات وتكلفة ومسؤولية. إنّ ما يجعل هذا الخطاب عنيفًا ليس مضمونه فقط، بل الطريقة التي يُقنِع بها الناس بأنّ ما يُقال لهم هو الحقيقة الوحيدة الممكنة.
حين يتكرر هذا النمط من الخطاب، يبدأ المواطن شيئًا فشيئًا بفقدان حسّه النقدي، ويستبطن ما يسمعه. يتحوّل “الإصلاح” من وعدٍ بالتغيير إلى تبريرٍ للألم، ومن شعارٍ للنهضة إلى ذريعةٍ لرفع الأسعار أو لتقليص الخدمات. ومع الوقت، لا يعود أحد يسأل: من يُصلِح من؟ ومن يحدّد معنى “الأفضل” أصلًا؟ هنا تتجلّى قوة اللغة كأداة للضبط الاجتماعي: فهي لا تُجبرك على الطاعة، لكنها تجعل العصيان يبدو بلا معنى.
الأمر نفسه ينطبق على عبارة “هيبة الدولة”، التي أصبحت في الخطاب السياسي والإعلامي أشبه بحدٍّ مقدّس لا يُمسّ. يُكرَّر المصطلح كلما احتجّ الناس أو تظاهروا أو انتقدوا، فيتحول من مفهومٍ قانوني يعبّر عن احترام المؤسسات إلى سلاحٍ رمزي لإسكات النقاش العام. فمن يعارض باسم العدالة يُتّهم بأنه يهدّد “هيبة الدولة”، ومن يطالب بالمحاسبة يُصوَّر كأنه يزعزع النظام. بهذا الشكل، تُنقل المواجهة من مستوى السياسة إلى مستوى الأخلاق، ويُصبح الخضوع واجبًا وطنيًا.
ما يحدث في هذه الحالات هو تجريدٌ لغوي ممنهج: تُفرَّغ الكلمات من معناها الأول، وتُملأ بمعنى جديد يخدم ميزان القوى السائد. تتحوّل “الكرامة” من حقٍ اجتماعي إلى شعارٍ احتفالي، و”المصلحة الوطنية” من قيمةٍ جامعة إلى ذريعةٍ لتبرير القرارات المنفردة. هذا التحوّل لا يتم عبر مؤامرة واعية دائمًا، بل عبر تراكمٍ لغويٍ طويل تُسهم فيه مؤسسات الإعلام والتعليم والخطاب السياسي والخطاب الديني على حدّ سواء.
إنّ العنف الرمزي في اللغة اليومية يعمل كـ”نظام بيئي للمعاني” يطوّق التفكير الفردي من جميع الجهات. فالمواطن يسمع العبارات نفسها من التلفزيون، ومن نشرة الحكومة، ومن صفحات التواصل الاجتماعي، ومن خطب الجمعة، ومن الإعلانات التجارية، فيُصبح أسيرًا لمعجمٍ واحدٍ يُعيد إنتاج الطاعة حتى في غياب السلطة الفعلية. وهنا تبرز خطورة هذا العنف: أنّه لا يحتاج إلى سلطة قاهرة ليعمل، بل يستمدّ قوّته من القبول الطوعي به، ومن الإحساس بأنّ اللغة السائدة تعبّر بالفعل عن الواقع.
في هذا المستوى، تُصبح الهيمنة الرمزية أكثر رسوخًا من أي نظام سياسي. فالأنظمة يمكن أن تتغير، أما اللغة فتستمرّ، تحمل في طيّاتها آثار الماضي وتعيد توزيعها في المستقبل. وحين يرث الجيل الجديد المفردات نفسها التي استخدمتها السلطة القديمة، فإنه يرث معها أيضًا بنية التفكير القديمة، حتى لو ظنّ أنه يعيش في زمنٍ مختلف.
لهذا فإنّ مقاومة الهيمنة لا تبدأ من الشارع ولا من البرلمان، بل من الوعي باللغة. أن تنتبه للفظ الذي يُستخدم لتبرير وضعٍ ما، أن تكتشف الانزلاق بين المعنى الأصلي والمعنى الموجّه، أن تميّز بين اللغة التي تصف واللغة التي تُخدّر - هذه كلها ممارسات نقدية تشكّل نواة الوعي التحرّري. فلا أحد يُولد خاضعًا، بل يتعلّم الخضوع لغويًا، عبر الاستماع اليومي إلى الكلمات التي تُعيد ترتيب العالم من حوله بطريقة تجعل كل شيء يبدو “طبيعيًا”.
من هنا يمكن القول إنّ اللغة اليومية، بكل بساطتها، هي أخطر مؤسسات الدولة غير المرئية. فهي التي تُعيد إنتاج الطاعة من دون عنف، وتخلق إجماعًا من دون اقتناع، وتحوّل المواطن من فاعلٍ سياسي إلى متلقٍ رمزي. وحين يتراكم هذا النمط من الخطاب، يتراجع النقاش العمومي لصالح التكرار، وتتحوّل اللغة من فضاءٍ للحوار إلى مرآةٍ للسلطة.
إنّ ما يجعل هذا الواقع خطيرًا هو أنّ الناس يشاركون فيه دون وعي، عبر ترديد المفردات ذاتها التي تقيدهم. فحين يصف المواطن المحتج بأنه “خارج عن القانون”، أو حين يُكرّر عبارة “الوضع لا يحتمل الفوضى”، فإنه، من حيث لا يدري، يستبطن الخطاب السلطوي ويعيد إنتاجه بلسانه. الهيمنة إذًا لا تعيش في القصور، بل في المفردات التي نتبادلها كل يوم ونحن نعتقد أننا أحرار في استخدامها.
ولذلك فإنّ أول خطوة نحو تحررٍ حقيقي هي إعادة تسمية الأشياء: أن نعيد للكلمات معناها، وأن نرفض المفردات التي تُخفي أكثر مما تُفصح. أن نقول “العدالة الاجتماعية” بدل “الإصلاح”، و”المساءلة” بدل “المصلحة الوطنية”، و”الكرامة الفعلية” بدل “الهيبة الشكلية”. بهذا الفعل البسيط - فعل إعادة التسمية - يبدأ التحرر الرمزي، لأننا نستعيد حقّنا في تعريف العالم بلغتنا نحن، لا بلغتهم هم.