قبل ستة أشهر شاركت في مؤتمر مجمع اللغة العربية في إحدى الدول العربية، ببحث تقني محكَّم حول توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة البحث العلمي. قُبل البحث بعد المراجعة العلمية، وقدّمت مداخلة في المؤتمر أمام الحضور المتخصص.

اليوم وصلتني مراسلة من اللجنة المنظمة تطلب إجراء تعديلات قبل نشر البحث في وقائع المؤتمر.

المفاجأة

توقّعت ملاحظات جوهرية: منهجية أو تقنية أو تحليلية. توقّعت أسئلة حول مصداقية النتائج، أو الاعتراض على بعض الاستنتاجات، أو طلب توسيع مراجعة الأدبيات. لكن ما وجدته كان مختلفًا تمامًا.

جميع التعديلات المطلوبة كانت من نوع: إضافة واو العطف هنا، حذف كلمة هناك، تحويل جملة اسمية إلى فعلية، استبدال مصطلحات بأخرى، حذف فاصلة وإضافة أخرى.

لا توجد ملاحظة واحدة على المضمون أو المنهج أو الحجج أو النتائج.

ما الذي يكشفه هذا؟

هذا النمط يُكشف عن خلل في المنظومة الأكاديمية العربية: الاهتمام بالشكل اللغوي على حساب المضمون الفكري. النشر في المجلات الأكاديمية الدولية المحكَّمة عادةً يُركّز على المنهجية والحجج والأدلة والأثر العلمي. اللغة تُراجَع لكنها ليست محور المراجعة — المحتوى هو المحور.

في المقابل، تجد في بعض المنظومات الأكاديمية العربية أن جهد المحكّمين ينصبّ على تصحيح الجمل وإعادة صياغة الفقرات. الفكرة نفسها — صحتها ومنهجها وقيمتها الإضافية — تمرّ أحيانًا دون تدقيق جاد.

المفارقة الأعمق

مؤتمر يتعلق بالذكاء الاصطناعي — أحد أسرع المجالات تطورًا في تاريخ التقنية — يُخصّص جهده التحريري لتصحيح واو العطف. هذا التوازن بين أولويات الشكل والمضمون يقول شيئًا عن طريقتنا في التعامل مع المعرفة وإنتاجها.

الكاتب الذي يقضي وقته في ضبط النحو بدل مراجعة الحجج يبني ديكورًا جميلًا لبيت فارغ.

هذا لا يعني أن اللغة غير مهمة

اللغة مهمة، والدقة اللغوية قيمة حقيقية. عدم الاهتمام بالأسلوب والصياغة يُضعف التواصل العلمي ويجعل الأفكار أصعب فهمًا. لكن هذا الاهتمام ينبغي أن يأتي بعد التأكد من سلامة المحتوى وصحته لا بديلًا عن ذلك.

حين يصبح التحرير اللغوي أكثر عمقًا من التحرير الفكري، نكون أمام نظام يُقيّم العلم بمعايير الأدب — وهذا لا يخدم لا العلم ولا الأدب.

خاتمة

تجربة صغيرة لكنها مضيئة. لا أُعمّمها على كل المؤتمرات العلمية العربية — بعضها يعمل بمعايير جادة فعلًا. لكنها تطرح سؤالًا جديرًا بالتأمل: كيف نُعيد بناء ثقافة أكاديمية تضع المضمون في مركزها وتعتبر اللغة وسيلة لا غاية؟

ماذا يعني هذا لمستقبل البحث العلمي العربي؟

النشر الأكاديمي ليس غاية في ذاته — هو وسيلة لتداول المعرفة وتراكمها والبناء عليها. حين تنصرف معايير التحكيم نحو الشكل على حساب المضمون، تُنتج المنظومة الأكاديمية أوراقًا بحثية صحيحة نحويًا لكن ضعيفة علميًا.

والأكثر إشكالًا أن هذا التوجه يُرسّخ ثقافة مختلفة في الباحثين الشباب: أن النجاح الأكاديمي يأتي من إتقان اللغة والشكل لا من جودة الفكرة والمنهج. وهذا يُشكّل كيفية تفكيرهم في ما يكتبون.

الإصلاح يبدأ من معايير التحكيم: أن يُسأل المحكّم أولًا عن المضمون — هل المشكلة محددة؟ هل المنهج صحيح؟ هل النتائج مبرّرة؟ ثم يُسأل عن الشكل.