ثمة فئة من النشطاء على فيسبوك تعيش على “fixette” — هوس متكرر بشخص أو دولة أو فكرة، يعلّقون عليها كل مشاعرهم وتحليلاتهم دون أي محاولة حقيقية للفهم أو التمييز بين المواقف والمراحل المختلفة.

النموذج الأكثر شيوعًا في اللحظة الراهنة: من لا همّ له إلا أحمد الشرع، يُصرّ على تسميته “الجولاني” رغم أن هذه الكنية كانت اسمه حين كان قياديًا في جبهة النصرة قبل سنوات. ويُكرّر صباحًا مساءً أنه “داعشي” رغم أن الرجل لم ينتمِ إليهم سوى بضعة أشهر في بداياته وانفصل عنهم منذ سنوات طويلة وحارب فصائلهم لاحقًا.

لماذا تُعطّل الـFixation التفكير؟

الـFixation السياسية ليست مجرد تحيّز عادي — هي حالة نفسية مختلفة تُعطّل القدرة على التفكير النقدي بشكل منهجي. الفرق بين التحيّز والـFixation هو الفرق بين الاتجاه والسجن.

صاحب التحيّز يرى الواقع من زاوية معينة لكنه يستطيع أن يُعدّل رأيه حين تتغير المعطيات. صاحب الـFixation لا يُعدّل — كل معطى جديد يُفسَّر كتأكيد إضافي للصورة المسبقة. إن فعل الشرع شيئًا إيجابيًا فهو مناورة. وإن فعل شيئًا سلبيًا فهو دليل إضافي. الصورة محصّنة ضد التغيير.

أعراض هذه الحالة:

  • استخدام تسميات قديمة ومشوّهة رغم تغيّر الوقائع والسياق
  • رفض أي تمييز بين المراحل المختلفة في مسار الشخص أو الحركة
  • تفسير كل حدث جديد — حتى المتناقض — كتأكيد للصورة الجاهزة
  • تحويل كل ناقد لهذا النهج إلى متواطئ أو ساذج

لماذا يحدث هذا في البيئة الرقمية؟

الفضاء الرقمي لا يُعاقب الـFixation — بل يُكافئها. الخوارزميات تُعزّز ما يُنتج تفاعلًا سريعًا، والتفاعل السريع يأتي من الغضب والمزايدة والاستفزاز. منشور “الجولاني الداعشي” يحصل على مئة تفاعل في دقائق. مقال يُمييز بين مرحلة 2013 ومرحلة 2025 لن يحصل على عُشر ذلك.

وبمرور الوقت، من ينتج الـFixation يُكافأ بانتشار أوسع وجمهور متعاطف — وهذا يُعزّز السلوك ويُشجّع المزيد منه.

يُضاف إلى ذلك أن الـFixation توفّر راحة نفسية حقيقية: بدل العناء المتعب لفهم واقع مركّب متغيّر، يكفيك “عدو” واحد ثابت تُعلّق عليه كل مشاكلك وإحباطاتك وخيبات أملك السياسية.

الفرق بين النقد الجاد والهوس

النقد الجاد لأحمد الشرع أو لأي قيادة سياسية أخرى مشروع تمامًا بل مطلوب. لكن النقد الجاد يستلزم:

أولًا:** معرفة ما تنتقد كما هو اليوم لا كما كان في 2013 أو كما تريده أن يكون.

ثانيًا:** الاستعداد لتغيير الموقف حين تتغير المعطيات الموضوعية.

ثالثًا:** الفصل بين الشخص وأفعاله المحددة — نقد قرار بعينه لا وصم الشخص بأكمله.

من يُكرّر “داعشي” عن رجل يُدير دولة ويتفاوض مع المجتمع الدولي منذ سنوات لا يُقدّم نقدًا — يُحاور صورة متجمّدة من الماضي.

ما يستفيد منه صانعو الاستقطاب

أصحاب الـFixation لا يُدركون دائمًا أنهم يخدمون من يريد إبقاء الجمهور في دائرة ردود الفعل العاطفية. الهوس يُبقي الناس مشغولين بالعدو الرمزي بعيدًا عن المساءلة الحقيقية والتفكير الاستراتيجي في ما يجري فعلًا.

خاتمة

الـFixation السياسية تُضرّ صاحبها قبل خصمه — تحبسه في صورة متجمّدة للواقع وتُعطّله عن قراءة ما يتغيّر. الناقد الصادق يتابع ليفهم، لا ليُؤكّد ما قرّر مسبقًا.

ما يستلزمه الخروج من هذا النمط

الخروج من الـFixation لا يعني الموافقة على الخصم أو إسقاط النقد. يعني قبول أن تُفاجأ — أن تكتشف أن الصورة أكثر تعقيدًا مما ظننت. وهذا القبول هو أول خطوة نحو الفهم الحقيقي.

من يستطيع أن يقول “انتقدت هذا القرار بالأمس لكن هذا القرار اليوم أفضل مما توقعته” يملك مرونة معرفية حقيقية. ومن لا يستطيع قوله يُقدّم صورته عن الواقع على الواقع نفسه.

والناقد الصادق الذي يُريد أن يُؤثّر في الرأي العام يحتاج مصداقية. والمصداقية تُبنى بالتمييز والدقة لا بالتكرار والهوس.