حين اندلع الجدل في تونس حول إلزام التجار بعرض اللافتات بالعربية إلى جانب اللغات الأخرى، تذكرت ما فهمته ببطء خلال سنوات إقامتي في كيبيك: اللغة لا تنجو بالتمنّي ولا بالحنين. تنجو بالقانون والإرادة والممارسة اليومية.

أعيش في كندا منذ عشرين سنة. وقد تعلّمت من الكيبيكيين درسا لم أتعلّمه في تونس: الهوية اللغوية ليست إرثا يُحفظ تلقائيا، بل مشروع حماية متواصل يحتاج إلى أدوات.

القانون 101: كيف حُميت الفرنسية في محيط إنجليزي؟

في عام 1977، سنّت حكومة ريني ليفيك في كيبيك ما أصبح يُعرف بـ”القانون 101” أو “ميثاق اللغة الفرنسية”. وكانت اللغة الفرنسية في كيبيك تحت ضغط قوي من الإنجليزية في مجالات العمل والتعليم واللافتات والارتقاء الاجتماعي.

القانون 101 فرض الفرنسية لغةً رسمية للعمل والتعليم والتجارة والإدارة. وأُلزمت الشركات بتوفير بيئة عمل فرنسية، كما فُرض على جزء كبير من أبناء المهاجرين الالتحاق بالمدارس الفرنسية لا الإنجليزية.

وقد أسهم هذا الإطار القانوني، مع عوامل اجتماعية وسياسية أخرى، في حماية الفرنسية في كيبيك ومنع تراجعها السريع داخل محيط أنغلوفوني واسع.

ما تعلّمته من الكيبيكيين

حين وصلت إلى كندا في أواخر التسعينيات كنت أستغرب حرص الكيبيكيين الشديد على لغتهم. كان يبدو لي أحيانا مبالغا فيه. ثم فهمت أنهم يعرفون بالتجربة التاريخية ما الذي ينتظر اللغة التي لا تُحمى.

فبعض الأقليات الفرنكوفونية في كندا خارج كيبيك تُعطي مثالا على ما يمكن أن يحدث حين لا تتوافر الحماية نفسها: تراجع تدريجي جيلا بعد جيل، حتى تصبح اللغة الأصلية أضعف في الحياة اليومية والتعليم والعمل.

اختياري الشخصي: العربية ضد التيار

بعد سنتين من وصولي إلى كندا، اتخذت قرارا كان في نظر بعض أصدقائي غريبا: قررت أن أكتب بالعربية. بالفصحى لا بالعامية، وبصورة منتظمة ومنضبطة.

كان من حولي، مسلمين وعربا مهاجرين، يُمضون معظم وقتهم يقرؤون ويكتبون بالفرنسية أو الإنجليزية. واللغة العربية كانت تتراجع تدريجيا إلى دور الأسرة الضيقة أو المناسبات الخاصة.

أصبحت مراسلا لموقع “إسلام أونلاين” من كيبيك. ثم أسّست مع آخرين مجلة “الوحدة الإسلامية”، مجلة عربية تصدر من أوتاوا لجاليات كندا. وواصلت الكتابة العربية حتى يوم الناس هذا.

هذا الاختيار لم يكن أيديولوجيا بالمعنى الضيق. كان جوابا على سؤال وجداني: من أكون بعد عشرين سنة إذا لم أُمسك بالخيط الذي يربطني بلغتي؟

الأجيال القادمة: توازن لا استنساخ

أبنائي وُلدوا أو كبروا في كندا. هم كنديون فرنكوفونيون بامتياز، يفكرون بالفرنسية ويحلمون بالفرنسية وأصدقاؤهم الأقرب كنديون. هذه حقيقتهم ولا داعي لإنكارها.

لكنهم في الوقت نفسه أبناء تونسيون. وأحرص على أن يملكوا حدا أدنى من اللغة العربية، لا لكي يصبحوا نسخة مني، بل لكي يملكوا المفاتيح للوصول إلى جذورهم حين يريدون.

الهوية الهجينة ليست أزمة تحتاج حلا. هي ثروة تحتاج إدارة. وإدارتها تعني ألا أُكره الأبناء على أن يكونوا ما لم يختاروا، لكن أُعطيهم أدوات أن يعرفوا من كانوا.

الدرس التونسي

حين تُجادل في تونس بأن العربية تحتاج حماية تشريعية، يُجيبك البعض: “العربية لغة القرآن لن تموت.” لكن التجارب التاريخية تُظهر أن اللغة لا تنجو بالتقديس وحده. تنجو بالاستخدام والحماية والتطوير.

القانون 101 ليس نموذجا يُستنسخ حرفيا في تونس، فالسياقات مختلفة. لكنه يصلح مثالا للتأمل في مبدأ عام: اللغة حق جماعي يستحق الحماية حين يكون مهددا بالتآكل.

خاتمة

لا أنجو من العربية بالحنين فقط. أنجو منها بالممارسة اليومية والاختيار الواعي. وهذا ما يُعلّمه القانون 101 على مستوى مختلف: اللغة إرادة جماعية قبل أن تكون عاطفة فردية.