ظاهرة تستحق التأمّل
من بين المسائل التي لا تخطئها عينُ الملاحظ في مساجدنا وفي أنشطتنا الاجتماعية والدينية، شيوعُ استعمال لقب “الشيخ” و”الإمام” و”الأستاذ” في مخاطبة بعض الإخوة المعروفين بتقديم الدروس والمحاضرات الدينية، لدرجة أصبح يصعب الحديث مع بعضهم بدون أن يسبق هذا اللقبُ اسمَ الرجل. بل أصبح هذا الأمر بمثابة المزج بين “رتبة علمية” و”وظيفة اجتماعية” في صفوف الجالية، يجب الحرص على التذكير بها سواءٌ عند مخاطبة صاحبها، أو عند تقديمه في المجالس، أو عند الإعلان عن مشاركته في بعض الأنشطة.
ولو كان هذا الأمر من باب الْمُوادَّة أو التقدير العفوي لكان أمرًا طيبًا ومقبولًا. غير أنه يصبح ظاهرة جديرة بالتنبه إليها حين يصل الأمر إلى المبالغة والإكثار والحرص، خشية وصولها إلى حالة من “التَّقدِيس الخفيِّ” من قبل مستخدِم هذه الألقاب، أو حالة من “العُجْبِ الخفيِّ” لدى مَن يُخاطَب بها.
حوار حول الألقاب العلمية
وقد ذكّرني هذا السلوك بحوارٍ عفوي حول موضوع الألقاب العلمية، دارَ منذ بضع سنوات بيني وبين عدد من أصدقائي الأساتذة الجامعيين في اختصاص التفسير والدراسات القرآنية في عدد من الجامعات الإسلامية في العالم العربي. وكانت عمومُ التعليقات معبّرةً عن تحسّرها على ضياع لقب “الشيخ” في مقابل الحرص على استعمال لقب “الدكتور”.
فقد ذكر لنا أحدهم، وهو أستاذ في التفسير، مقالة قديمة نُشرت في جريدة الرياض، للدكتور محمد بن عبد الرحمن الشامخ، أستاذ الأدب بجامعة الملك سعود، يقول فيها:
لقب “الشيخ” ولقب “الدكتور” لقبان متنافران. أما الأول، فلقبٌ عربي كريمٌ رعت نشأتَه أروقة المساجد وحلقاتها العلمية. وأما الثاني، فهو في أصله لقب كهنوتي عاش طفولته في كنائس النصارى ومعابد اليهود. وقد مشى “الشيخ” على الأرض العربية الإسلامية هونًا، تضفي العباءةُ عليه وقارها، وتزيده العِمامةُ العربية سكينة وبهاءً. أمّا “الدكتور” فقد وفد إلى ديار الإسلام في عصرها الحديث، فأقبل يتخايل في مسيرته، وصار يزهو بردائه الجامعي، ويترنّح فرحًا بقبعته الأكاديمية.
ثم أضاف:
وقد يغضّ المرءُ الطرف كارهًا عمّا شاع من استخدام اللقب في ميادين العلوم الدنيوية، ولكن في السكوت عن اقتحامه لمجالات العلوم الإسلامية تهاونٌ في مراعاة ما أُمِرنا به من مخالفة اليهود والنصارى.
وقال صديق آخر معلّقًا:
كم أتوق لرؤية جامعاتنا الإسلامية وأقسامها العلمية وقد عادت لتحتفي بالألقاب الإسلامية النابعة من صميم تراثنا العلمي الإسلامي، وقد زالت عنها عقدةُ الحفاوة بالألقاب الغربية.
وذكر ثالث أن أحد أساتذة التفسير في السعودية كان إذا كُتب أمام اسمه حرف الدال (دلالةً على رتبة الدكتوراه) فإنه يقوم بشطبه بيده، مع كونه من أوائل الحاصلين على الدكتوراه والأستاذية.
نظرتي الخاصة للألقاب
فعلّقتُ على ذلك قائلًا: ما تقوم به مجلة الدراسات اللغوية من إغفال ذكر الألقاب العلمية قبل أسماء الباحثين هو ما يجري العمل به في الجامعات الدولية الغربية. فعند كتابة فهرس البحوث العلمية يُذكر اسم الباحث فقط بدون إشارة إلى درجته العلمية.
والحكم على الأوصاف لا يخرج عن أحد الأقسام التالية:
- فإما أن يُتَّفق على استحبابها في حق الرجل لصدقها ودقتها في التعبير عن ميزة الموصوف بها وفضله.
- أو أن يُختَلف في استحبابها لاعتبارات ذوقية أو للاختلاف في تقويم الرجل نفسه.
- أو يُختَلف فيها للمبالغة التي قد تصل إلى حدود تستدعي الحذر.
والألقاب التي نستعملها نحن المسلمين ليست ألقابًا موضوعية، وإنما هي ألقاب عاطفية. ولعل هذا هو سرّ اختلاف استعمال لقب “الدكتور” عند المسلمين وعند الغرب. فالكثير من المسلمين يلهث وراء لقب من الألقاب. أما في الغرب فاستعمال الألقاب لا يتم إلا في الإطار الأكاديمي أو الوظيفي، لتمييز القيمة العلمية للبحوث. واستعمال هذه الألقاب عند الغرب هو استعمال وظيفي أكثر منه تشريفي. أما عند المسلمين فهو تشريفي في أغلب الأحيان.
ألقاب أتحرّج من استعمالها
ولا أخفيكم مدى تحرّجي من استعمال عبارات من قبيل: صاحب الفضيلة، وفضيلة الشيخ، وسماحة الشيخ، وسماحة الوالد، والداعية الشهير، والحبيب فلان — إلى غير ذلك من الألقاب التي لا أجد لها أي مبرر.
ومن أكثر الألقاب التي أنفر من استعمالها: “شيخ الإسلام” و”حجة الإسلام” وكل الألقاب التعظيمية المشابهة. فالدين ليس في حاجة لرجل أو امرأة كي يقيم الحجة على الناس، وليس من حجة على الناس سوى عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. والإسلام ليس له شيخ، ولا يجوز بحال ربط الدين بالأشخاص في أذهان الناس إلا برسول الله، لأنه الشهيد الوحيد والحجة الوحيدة علينا:
﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143)
بل أرى أن الحرص على استعمال لقب “شيخ الإسلام” كلما تحدثنا عن ابن تيمية لا يختلف في شيء عن تقديس الصوفية لمشايخهم. وكلا الأمرين مذموم.
في الترضّي على الصحابة
وأكثر من ذلك: لا أخفيكم أيضًا عدم حرصي على الترضّي كلما ذُكِر اسم أحد الصحابة، لعدم وجود أي مبرر لذلك من القرآن والسنة. وأعتبر أن هذه العادة جاءت ردّة فعل فقط على من يسبّون بعض الصحابة من الشيعة. وفي تقديري، لا يليق بالمسلم أن يعتمد الفعل ورد الفعل كمنهج سلوكي، وردّات الفعل السلوكية لا تؤدي إلا إلى الانحراف المنهجي.
وإن كان الترضّي الوارد في القرآن الكريم قد ورد في سياق الحديث عن الصحابة في موضعين:
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (التوبة: 100)
﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (الفتح: 18)
فإنه لا يفيد بحصر رضى الله في الصحابة. بل إن رضى الله شامل للمؤمنين بدليل عبارة ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾، وبدليل آية سورة البينة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (البينة: 7-8)
وإن كان من أمر حثّ الإسلام على التزامه تجاه الصحابة، فهو الاستغفار لهم وليس الترضّي عنهم:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر: 10)
في استعمال “أخي في الله”
أما عن الألقاب الأخرى، فأنا لا أستعملها إلا من قبيل الْمُوادَّة وحفظ مقامات الناس عند مخاطبتهم. أما عند الحديث عنهم مع الآخرين فلا تهمني هذه الألقاب لا من قريب ولا من بعيد، لأن احترامي للأشخاص ليس مقترنًا بنوعية الألقاب التي أضيفها إليهم.
ويبقى لقب أخير كثيرًا ما أتوقف عنده، وهو “أخي في الله”. فكثيرًا ما يُستعمل هذا اللقب بلا روح. وكم تشمئز نفسي ممن يصدّرون حديثهم مع الآخرين بـ”أخي فلان” أو “أخي الحبيب”، ثم لا تسمع منهم في باقي كلامهم إلا الأذى والاستفزاز والتحقير، بما يناقض مفهوم الأخوة ومستلزماتها. ويخيّل إليّ أن أغلب المتدينين يستعملون هذه الصفة من باب النفاق الاجتماعي لا غير.
لذلك، فإنني أتحرّز — وأدعو إلى التحرّز — من استعمالها، فلا تُستعمل إلا عند استحضار معاني الأخوة بمسؤولية وأمانة في التعامل مع الآخرين.
العودة إلى محلّ الشاهد
وأعود هنا لمحلّ الشاهد المتعلق باستعمال لقب “الشيخ” و”الإمام” و”الأستاذ” في مخاطبة بعض الإخوة، لأقول:
- أمّا توقيرُ العلماء وأهل الفضل وموادّتهم، فهو من شُعب الإيمان ومكارم الأخلاق. ولا يوجد اختلاف حول هذا الموضوع.
- وأما تكنية العلماء والإخوان بما يحبّون، وإسباغُ الأوصاف الحميدة عليهم، والثناءُ عليهم والدعاءُ لهم وذكرُ فضلهم ومآثرهم، فحبّذا لو ينتشر بيننا هذا الأدبُ بدون مبالغةٍ ممجوجةٍ أو إفراطٍ مبتذَل.
- ولكن ما أراه في واقع حالنا أن التزام تلقيب بعض الإخوة بالشيخ والإمام والأستاذ أصبح داخلًا في المبالغة الممجوجة والإفراط المبتذَل، وهو تشبيعٌ للملقَّب بما لم يُعطَ، وإكسابٌ له هالةً ليست له.
لقب “الإمام” بين التاريخ والحاضر
وأرى أن أخطر هذه الألقاب هو لقب “الإمام”. فهذا اللقب له في تاريخ المسلمين استعمالات ثلاثة:
- كان في بدايته يعبّر فقط عن وظيفة الإمامة الدينية والسياسية، بمعنى “الحاكم” و”وليّ الأمر”.
- ثم بدأ يشيع ليعبّر عن وظيفة الإمامة الدينية دون السياسية، بمعنى “الفقيه” و”العالم المتبحّر” و”المرجع الديني”.
- ثم اتسعت دائرة استعماله لتشمل جميع من يخطبون في الناس ويؤمّونهم في الصلاة.
دعوة للتخلّي عن التكلّف
لذلك، أدعو للتخلي عن هذه الألقاب، أو على الأقل للاقتصاد فيها والحذر من التزامها، كي لا تُكرّس في الشعور واللاشعور نوعًا من الطبقية والترتيب التفاضلي بين الناس. ولو كان ذكر هذه الأوصاف مشروعًا لالتزمها الصحابة والتابعون، غير أنهم لم يكونوا يستعملون أيًّا منها.
ويصبح هذا الأمر أعجب في حالتنا كمسلمين يعيشون في الغرب، والحال أننا ندرس في جامعات ترتفع فيها الكلفة بين الأستاذ والطالب، ونعمل في مؤسسات ترتفع فيها الكلفة بين المدير والموظف، فيتعامل الجميع بدون ألقاب. فما الداعي إذن لهذا السلوك المتناقض الذي يجعلنا نمارس سلوكًا مّا في شبكة علاقاتنا الطبيعية، ونمارس سلوكًا مختلفًا عنه حين نكون في الإطار الإسلامي؟ أليس سلوك الغربيين في هذا الأمر أقرب لروح الإسلام الذي ينهى عن التفاضل بين الناس؟
وما أشبه اليوم بالأمس. فقد قال ابن قيم الجوزية في كتابه “بدائع الفوائد”:
قال قائل: أراني إذا دُعيتُ باسمي دون لقبي شقّ ذلك عليّ جدًّا بخلاف السلف؛ فإنهم كانوا يُدعَون بأسمائهم.. فقيل له: هذا لمخالفة العادات؛ لأن أُنْس النفوس بالعادة طبيعة ثابتة، ولأن الاسم عند السلف لم يكن دالًّا على قلة رتبة المدعوّ، واليوم صارت المنازل في القلوب تُعلم بإمارة الاستدعاء، فإذا قصَّر دلّ على تقصير رتبته فيقع السخط لما وراء الاستدعاء، فلما صارت المخاطباتُ موازينَ المقادير؛ شقّ على المحطوط من رتبته قولًا، كما شقّ عليه فعلًا.