السؤال في تقديري هام وضروري، لأنه يساعد على التمييز بين الموقف المبدئي المتزن، والموقف الحدّي أو المتطرف أو الاستقطابي الذي قد يتخفى أحيانا وراء شعارات الحق والحقيقة.
أقترح هنا بعض المعايير المساعدة على التمييز بين الموقف المتوازن والموقف الحدّي:
أولًا- علامات الموقف الحدّي أو المتطرف:
إلغاء المنطقة الرمادية
يرى العالم بلونين فقط: “معي أو ضدي”، “كافر أو مؤمن”، “خائن أو وطني”، “حق أو باطل”.
- مثال: من ينتقد فكرًا دينيًا يُتهم مباشرة بأنه يعادي الدين كله.
شيطنة المخالف
لا يكتفي بمخالفة الآخر، بل يُقدّمه على أنه خطر، أو عميل، أو عدو يجب إسكاته.
- مثال: “من يحتفل بعاشوراء بهذه الطريقة فهو ينشر الفتنة ويجب منعه”.
احتكار الحق والخير
لا يرى احتمالًا لوجود حكمة أو وجه حقّ لدى الآخر، بل يزعم امتلاك الحقيقة المطلقة.
- مثال: “نحن فقط نمثل الإسلام الصحيح، والبقية مبتدعة أو ضالّون”.
التعبئة العاطفية بدل البرهنة العقلية
يعتمد على التحريض والانفعال (الخوف، الغضب، الغيرة الدينية) بدل الحجة.
- مثال: استخدام صور صادمة، أو ألفاظ مثل “غزو”، “سمّ”، “طاعون فكري”.
الرفض التلقائي لأي جديد أو مختلف
يعتبر كل جديد تهديدًا، وكل اختلاف خطرًا على الهوية.
- مثال: “هذا المذهب دخيل، لا مكان له في بلادنا”.
ثانيًا: علامات الموقف المتزن والمبدئي
القدرة على التمييز والتدرج
يُفرّق بين الأفكار، والسياقات، والنوايا، ولا يخلط بينها.
- مثال: “أنا لا أشارك هذا الطقس، لكنه لا يشكّل خطرًا ما دام يتم في إطار قانوني سلمي”.
الاعتراف بوجود الرأي الآخر
يقبل التعدد، حتى لو لم يتبناه، ويدافع عن حق الآخر في التعبير.
- مثال: “قد أختلف معهم في المعتقد، لكن أؤمن بحقهم في ممارسته”.
البحث عن الجذور لا العوارض
لا يركّز على عرض المشكلة فقط، بل يحاول فهم السياق والأسباب العميقة.
- مثال: “ربما نشوء هذه الطقوس يعود إلى شعور فئة ما بالتهميش أو البحث عن هوية”.
التواضع المعرفي
لا يدّعي احتكار الحقيقة، ويترك مجالًا للشك أو المراجعة.
- مثال: “أحتاج أن أقرأ أكثر عن هذا الموضوع قبل أن أُصدر حكمًا نهائيًا”.
التمسك بالقيم الأخلاقية في الخلاف
يرفض السخرية، أو الشتم، أو التحقير، حتى مع الاختلاف الجذري.
- مثال: “لا أقبل هذا الفعل، لكن لا أبرر أبدًا السخرية من أصحابه”.
ثالثًا: كيف تعرف إن كان موقفك قرآنيا ونبويا، أو حدّيا ومتطرفا:
العدل والاعتدال هو الأقرب لروح القرآن وللمنهج النبوي:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.
هذه المعايير مفيدة جدا لمن يريد الاقتراب أكثر إلى مفهوم العدل والقسط في القرآن .. يعني لمن يسعى في الاقتراب من النموذج النبوي..
حين تجد نفسك في موقف ما، اسأل:
-
هل أترك مجالًا لاحتمال خطئي؟
-
هل أستطيع فهم دوافع الطرف الآخر دون أن أتبناه؟
-
هل أفرّق بين الشخص والفكرة؟
-
هل ألتزم بأدب الحوار واحترام الإنسان حتى حين أرفض فكرته؟
-
هل موقفي نابع من العقل أم من رد فعل عاطفي؟
كلما كانت إجابتك “نعم” على هذه الأسئلة، فأنت أقرب إلى الاعتدال، وأبعد عن التطرف.
معايير التمييز بين المبدئي والمتطرف
سؤال مهم وعملي: كيف نعرف أن موقفًا دينيًا أو سياسيًا مبدئي ومتزن لا حدّي ومتطرف؟
المعيار الأول: القدرة على التمييز
الموقف المتزن يُميّز بين الحالات المختلفة. الموقف الحدّي يطبّق نفس الحكم على كل ما يندرج في تصنيف معين.
مثلًا: “كل من حضر هذا المؤتمر خائن” مقابل “حضور هذا الشخص بعينه لهذا السبب المحدد إشكالي” — الأول حدّي، الثاني مبدئي.
المعيار الثاني: القدرة على رؤية ما يصح في الطرف الآخر
الموقف المتطرف لا يُقرّ بأي حسنة أو صواب لدى الخصم. الموقف المبدئي يستطيع أن يقول “هذا الطرف مخطئ في كذا وصائب في كذا.”
المعيار الثالث: الثبات عند تغيّر الطرف
الموقف المبدئي يبقى ثابتًا حتى حين يتبدّل الأطراف. من يُؤيّد الاحتجاج حين يقوم به طرفه ويُعارضه حين يقوم به خصمه — موقفه هووي لا مبدئي.
خاتمة
هذه المعايير ليست نظرية — هي أدوات يومية لفحص مواقفنا قبل أن نفحص مواقف الآخرين.