الطريف في هذا الكتاب، أنه - وبعد مقدمة نظرية مهمة - أخذ أربعة نماذج/رجال في العصر الإسلامي الأول، تحدث عن بعضهم كتّاب التاريخ الإسلامي بصورة سلبية (والأربعة هم: شبث بن ربعي، وأبو الأعور السلمي، وعبد الله بن خازم، والمُهلب بن أبي صُفرة)، فيما قام د.عبد الهادي العجمي بتتبع مسيراتهم وحلل اضطراب مواقفهم وتقلباتهم بناءً على تفسير دوافعهم وانحيازاتهم، وغلبة النزعة المصلحية الذاتية أو القبلية وما يكتنفها من السعي نحو المجد والقوة والسلطة.

ثلاث من هذه الشخصيات يمكن تفهم وصف الباحث لهم بالبراغماتيين.

أما شبث بن ربعي فهو شخصية مدهشة، فلديه القدرة على تغيير مواقفه ونقل ولاءاته بصورة مفاجئة وسريعة ومربكة.

فهو - كزعيم قبلي - دخل الإسلام حين وصل إلى ديار قومه، ولما توفي الرسول عليه الصلاة والسلام وارتدت بعض القبائل كان ممن ارتد، وأصبح مؤذناً لسجاح التميمية - بنت قبيلته - التي ادعت النبوة.

وبعد هزيمة المرتدين على يد أبي بكر عاد ودخل في الإسلام.

ثم كان من رؤوس من ثاروا على الخليفة عثمان، لكنه بعد مقتله انضم إلى جيش عائشة وطلحة والزبير المُطالب بقتل قتلة عثمان!

وحين هزمهم علي في الجمل انضم إلى جيش علي وصار من قادته وشارك في صفين، لكنه بعد التحكيم صار من رؤوس الخوارج، وقبيل هزيمة الخوارج تاب وعاد إلى جيش علي.

وحين تولى معاوية الخلافة ودانت له الدولة صالحه ووالاه، ثم في فترة يزيد كان ممن أرسلوا خطابات إلى الحسين يدعونه فيها للخروج على يزيد والقدوم إلى العراق ويعدونه بمال ورجال.

وحين قدم الحسين ورأى شبث أن الكفة لصالح خصومه لم يكتفِ أن انحاز إلى معسكر الأمويين، بل وصار من قادة الجيش الذي قتل الحسين.

لكنه بعد مقتل الحسين تحالف مع المختار الثقفي وصار من المطالبين بدم الحسين! وحين خرج مصعب بن الزبير في جيشه لقتال المختار انضم إلى ابن الزبير! ..

والحديث هنا ليس عن شخص، بل قائد قبلي وعسكري وراءه مئات وربما آلاف الأتباع الذي تابعوه في كل انحيازته ومواقفه.

المهم، أن قراءة كتاب كهذا مفيد في تفسير وتفكيك طبيعة الدوافع البشرية ومدى تركيبها. وهو يجيب عن سؤال الواقع - كما فعل في التاريخ - ونحن نرى قدراً من التقلبات والانحيازات والاصطفافات ونحن نعلم أن المحرك لها لا علاقة له بالقضية والموقف والمبدأ بل بالمصالح والطموحات والمكتسبات.

أنسنة التاريخ الإسلامي: قراءة في منهج

الكتب التي تشتغل على “أنسنة التاريخ” — أي استعادة البشري والمركّب في الشخصيات التاريخية بدلًا من التقديس أو الإدانة — تُقدّم خدمة فكرية حقيقية.

ما الذي يُضيفه هذا المنهج؟

التاريخ الإسلامي كُتب تقليديًا في مناخ التقديس أو التكفير: شخصيات مُقدَّسة لا تُنقد أو شخصيات مدانة لا تُفهم. والمساحة الوسطى — أين يعيش البشر الحقيقيون بدوافعهم المركّبة وأخطائهم وإنجازاتهم — كانت ضيّقة.

المنهج الأنسني يُتيح الفهم دون التقديس ودون الإدانة. يُقدّم الشخص في سياقه التاريخي والإنساني الكامل.

خاتمة

التاريخ الذي نُريده ليس تاريخ الأبطال ولا تاريخ الشياطين — بل تاريخ البشر الذين صنعوا أحداثًا بنوايا مختلطة وفي ظروف صعبة. هذا التاريخ وحده يُعلّم شيئًا حقيقيًا عن الإنسان.