صحيح أن الحزب الدستوري الحر يثير انقسامات حادة في الرأي العام التونسي، وهو مصنف لدى طيف واسع من الديمقراطيين كحزب “فاشي” أو “معادٍ للديمقراطية”. لكن السؤال الذي علينا أن نطرحه: هل المشاركة في ندوة فكرية، حتى لو كانت من تنظيم حزب مختلف أو خصم سياسي، تعني بالضرورة التماهي مع أطروحات ذلك الحزب، أو تبني موقفه الأيديولوجي؟ أم أنها فرصة لفتح ثغرة في جدار الانغلاق، لطرح أسئلة بديلة، وتوسيع دائرة الحوار؟
الفعل الأكاديمي قبل الانتماء الحزبي
الأكاديمي ليس ناطقًا رسميًا باسم أي حزب، بل هو حامل لأفكار نقدية ومقاربات مستقلة، حتى لو كانت أفكاره قريبة من بعض المشاريع الإصلاحية أو السياسية. المولدي القسومي، في هذا السياق، ليس مجرد “حاضر في ندوة” بل هو أيضًا “صوت” يضيف للاختلاف داخل الفضاء العمومي، ولو بقدر. فهل نطالب الأكاديمي بأن يصمت ويعزل نفسه عن تيارات المجتمع إذا لم توافقه تلك التيارات؟ أليس من حقه – بل من واجبه – أن يذهب حيث الأفكار والجدل؟
الحوار ليس تماهيًا
الحوار السياسي ليس انخراطًا في المشروع السياسي للطرف الآخر، بل هو أداة للتفكير النقدي وإعادة صياغة الفضاء العمومي. بلغة بسيطة: الحضور في ندوة لا يعني بالضرورة التصفيق أو التماهي. قد يكون الحضور فرصة لتوسيع أفق الحزب نفسه – ولو نسبيًا – أو لكشف تعارضات في الرؤية، أو للدفاع عن فضاء ديمقراطي أوسع. وفي بلد مأزوم مثل تونس، حيث الانقسامات الحادة تُغلق أفق الحلول، ربما يكون من المفيد أن يذهب الأكاديمي حيث “الخصم” ليضع أمامه أفكارًا أخرى.
من المسؤول عن غياب الندوات المشتركة؟
وهنا نقطة محورية: بدلًا من توجيه سهام الإدانة للمولدي قسومة، لماذا لم تبادر حركة النهضة أو جبهة الخلاص الوطني أو بقية التيارات الديمقراطية بتنظيم ندوات مفتوحة معه؟ لماذا تُرك هذا الصوت – الذي يمثل، ولو رمزيًا، يسارًا نقديًا أو تكنوقراطيا – ليملأ فراغًا فكريًا وحواريًا في فضاءات خصومه؟ أليست الندوات والمناظرات الفكرية هي ما ينقصنا اليوم للخروج من أزمات الاستقطاب القاتل؟
دعوة للتفكير في شروط الحوار
أزمة تونس الحالية ليست فقط في انغلاق النظام أو في هيمنة خطاب استئصالي من طرف واحد، بل أيضًا في غياب المبادرات الحوارية من كل الأطراف. هناك خوف عميق من الاختلاف، حتى داخل “المعسكر الديمقراطي”. هذا الخوف يترجم نفسه في التسرع في التخوين، بدل أن يتحول إلى شجاعة تنظيم الندوات المشتركة، وبناء جسور الحوار، مهما كانت هشة.
في نهاية المطاف، الحضور في ندوة سياسية هو ممارسة أكاديمية بقدر ما هو فعل مواطني. إذا أردنا ديمقراطية حقيقية، علينا أن نوسع دائرة الحوار، لا أن نضيّقها بإقصاء من يختلف عنا في الأسلوب أو في المسافة. المولدي القسومي لم “يكفر” بالديمقراطية بمجرد حضوره؛ لعلنا نحن من نكفر بحق الاختلاف حين ننخرط في عقلية الوصم الإيديولوجي، ونختزل الحوار في منطق الولاءات الحزبية.
القسومي وحضور الندوة: قراءة مختلفة
الجدل حول حضور المولدي القسومي لندوة نظمها الحزب الدستوري الحر يُمثّل نموذجًا لإشكالية أعمق: هل الحضور الأكاديمي في فضاء سياسي مثير للجدل اعتراف بالشرعية؟
ما يُغفله الجدل
الفكر الأكاديمي — في أحسن صوره — يُنتج معرفة قبل أن يُنتج مواقف. والباحث الذي يرفض الحضور في أي مكان جدلي يُضيّق دائرة عمله.
القضية ليست “هل الحزب الدستوري الحر مقبول؟” بل “ما طبيعة هذا الحضور؟ منصة للترويج أم مساحة للحوار؟“
التمييز الضروري
الحضور في ندوة يختلف عن التحالف السياسي. الباحث الذي يُقدّم ورقة بحثية في مؤتمر لا يُعلن انتماءه السياسي لمنظّمي المؤتمر.
إغفال هذا التمييز يُنتج ثقافة مقاطعة أكاديمية تضرّ حرية الفكر.
خاتمة
الإدانة الفورية دون قراءة السياق الكامل مشكلة في حد ذاتها. والأكاديمي الحقيقي لا يختار مواضيعه ومحاوريه بناءً على ما يُريحه سياسيًا.