شهادة الأشعري على فراش الموت

قال الإمام الذهبي: “رأيت للأشعري كلمةً أعجبتني وهي ثابتة، رواها البيهقي: سمعت أبا حازم العبدوي، سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لمّا قرب أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: اشْهَدْ عَلَيَّ أنّي لا أكفّر أحدًا من أهل القبلة، لأن الكلّ يشيرون إلى معبود واحد، وإنّما هذا اختلاف العبارات.”

وقال الذهبي معلّقًا: “وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية أواخر أيّامه يقول: أنا لا أكفّر أحدًا من الأمّة. ويقول: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن. فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم.”

ذكره الحاكم في المستدرك على الصحيحين (2/234) والبيهقي في السنن الكبرى (10/58).

من التعقيد إلى البساطة: مسار العلماء الكبار

فانظر كيف أن رجالًا قضوا أعمارهم في مناقشة مقولات الناس وعقائدهم، رجعوا في النهاية إلى منهج البساطة النبوي: “لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن”، فأراحوا أنفسهم وغيرهم.

ثمّة دلالة عميقة في أن يصل عالِمٌ بحجم أبي الحسن الأشعري -مؤسّس أحد أكبر المذاهب الكلامية في تاريخ الإسلام- إلى هذه الخلاصة في لحظات الصفاء الأخيرة من حياته. وأن يؤكّد ابن تيمية -المعروف بحدّته في الجدل العقدي- المقولة ذاتها في أواخر أيّامه. إنها لحظة الحقيقة حين تسقط الأقنعة النظرية وتتبدّى جوهر الرسالة في بساطتها الأصلية.

الخسارة المركّبة

إنها خسارة كبرى أن يُفني الإنسان عمره في معارك، ثم يتوصّل في أواخر أيّامه إلى أنها لم تكن سوى “اختلاف عبارات”. خسارة أن تُستنزف الطاقات الفكرية والروحية في تصنيف الناس ومحاكمة ضمائرهم، بينما كان يمكن توجيه تلك الطاقات نحو البناء والإصلاح وخدمة الخلق.

والخسارة الأكبر من ذلك أن يكون قطاع عريض من المجتمع هو الذي يضيّع أعماره في ذلك، ولا ينتبه إلى المتاهات التي وضع نفسه فيها. فالعلماء الكبار قد يملكون في نهاية المطاف شجاعة المراجعة، أمّا الأتباع فغالبًا ما يتمسّكون بالمواقف المتشدّدة لأساتذتهم حتى بعد أن تراجع عنها أصحابها أنفسهم.

العودة إلى منهج البساطة

ولا حلّ لذلك سوى الرجوع إلى منهج البساطة، والبعد عن التكلّف، والاكتفاء من العقائد بالجمل، والتوجّه إلى العمل. فالإيمان في جوهره ليس منظومة فلسفية معقّدة تحتاج إلى سنوات من الدراسة الكلامية لاستيعابها، وإنما هو يقين بسيط يُترجَم في سلوك يومي: في الوضوء والصلاة والأمانة والرحمة والعدل.

إن أعظم ما يمكن أن يتعلّمه المسلم المعاصر من هذه الشهادة التاريخية هو أن يبدأ من حيث انتهى الكبار، لا أن يعيد الدورة ذاتها. فالحكمة ليست في خوض المعارك التي خاضها الأوّلون، بل في الاستفادة من خلاصاتهم والانطلاق منها نحو ما هو أنفع: بناء الإنسان، وإصلاح المجتمع، وتحقيق مقاصد الدين في الواقع المعيش.