شجرة الشرّ: الأوراق أم الجذور؟
كثير منا يركّزون على أوراق شجرة الشرّ، فيكرّسون طاقاتهم وأوقاتهم في انتزاعها ورقة ورقة، أو علاجها بالأدوية والعقاقير ورقة ورقة، في حين أن التركيز على جذور شجرة الشر واقتلاعها هو الأَوْلى والأبعد أثرًا.
هذه الاستعارة ليست مجرد صورة بلاغية، بل هي تشخيص دقيق لواقع كثير من حركات الإصلاح في مجتمعاتنا. فالعمل على الأوراق يعني الاكتفاء بمعالجة الأعراض والمظاهر السطحية، بينما تبقى الأسباب العميقة كامنة تُنبت أوراقًا جديدة كلما قُطعت القديمة.
لماذا يجذب العمل السطحي الكثيرين؟
العمل الأول — أي انتزاع الأوراق — يستقطب الآلاف لأنه سهل ولا يتطلب معولًا شديدًا أو عضلات قوية. ويُعطي شعورًا كاذبًا بالسعادة والنفع، ويوهم الناظرَ بأن عملًا إيجابيًا قد حصل.
أما الثاني — أي اقتلاع الجذور — فلا يستقطب إلا القلة القليلة، لأنه صعب ويتطلب معاول شديدة وعضلات قوية ونَفَسًا طويلًا. ويُوقع العاملَ أحيانًا والناظرَ غالبًا في الشك من جدوى العمل، نتيجة بطء النتيجة وعدم الرؤية الآنية للأثر.
الإصلاح السطحي يمنح صاحبه شعبية فورية ونتائج مرئية، أما الإصلاح الجذري فيتطلب صبرًا قد يمتد لسنوات وعقود قبل أن تظهر ثماره. وهذا ما يجعل أغلب الناس ينحازون للأول ويتجاهلون الثاني.
ثمن العمل الجذري
وتصبح المشكلة محيّرة أكثر حين تصبح القلة الراغبة في اقتلاع جذور شجرة الشر عرضةً للإدانة والإهانة والتشكيك، والاتهام بإضاعة الوقت والطاقة فيما لا طائل من ورائه.
فالمصلح الجذري لا يواجه فقط صعوبة المهمة، بل يواجه أيضًا مقاومة المجتمع الذي اعتاد على الحلول السهلة والنتائج السريعة. ويجد نفسه في موقف من يُطالَب بإثبات جدوى عمله قبل أن يكتمل، وهو أمر مستحيل بطبيعة العمل الجذري الذي لا تتكشف نتائجه إلا بعد حين.
ظاهرة متكررة في التاريخ
ويخيّل لي أن حال هذه القلة مع تلك الكثرة ظاهرة متكررة في التاريخ، منذ عهد نوح عليه السلام:
﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾
فنوح عليه السلام كان يبني فُلكًا في صحراء، وقومه يسخرون منه لأنهم لا يرون الماء. كانوا يحكمون على عمله بمعيار اللحظة الراهنة، لا بمعيار ما سيأتي. وهذا هو حال كل مصلح جذري: يعمل لمستقبل لا يراه المعاصرون، ويتحمّل سخريتهم إلى أن يأتي الغيث — أو الطوفان.
إن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى من يملك الشجاعة ليحفر في العمق، وإلى مجتمع يملك الصبر ليثق بمن يحفر. وكلاهما نادر.