تراجع الدور التربوي لمنبر الجمعة

لخطبة الجمعة دور هام وأثر عميق في تشكيل فكر المسلم وسلوكه، خاصة وأن حضورها فرض عين على كل مسلم بالغ عاقل. ومع الأسف الشديد فقد تراجع الدور التربوي والإعلامي لمنبر الجمعة لأسباب عديدة ومتنوعة، حتى أصبح البعض يحضر لخطبة الجمعة إما مكرهًا وإما لأداء واجب لا غير، بدون أن يتوقع أن تحرّك فيه المواضيع ساكنًا أو تغيّر من واقعه نحو الأفضل الذي يبتغيه الإسلام.

في بعض الأحيان يأتي أحدنا إلى خطبة الجمعة، وقد أصبحت عنده ضربًا من الروتين، ضربًا من العادة. يأتي وقد فقدت خطبة الجمعة روحها، وفقدت مهمّتها ورسالتها. يأتي الإنسان بحكم العادة إلى خطبة الجمعة، فيستمع ثم ينصرف. لا يُهمّه ما يسمع، ولا يُهمّه أن يستفيد مما يسمع.

بين مسؤولية الخطيب والمستمع

ولعلنا معذورون في كثير من الأحيان. فكثيرًا ما تكون المواضيع متكررة، ومملّة، ولا تحرّك العواطف والعقول، ولا تنبّه الأحاسيس. وكثيرًا ما تكون الخطب سطحية ومرتجلة وتركّز على الجزئيات.

كثير منا يحكم هكذا على ما يستمع إليه في خطب الجمعة. ولا شك في أن هذا الانطباع السلبي لدى عدد منا، له ما يبرّره في بعض الأحيان، وإن اختلفت المبرّرات والمنطلقات. وعمومًا فإن هذا الانطباع السلبي يعود إما إلى الخطيب وثقافته الشرعية والعلمية، أو أيضًا إلى المستمع وثقافته الشرعية والعلمية. غير أننا جميعًا نحتاج إلى تجاوز السلبيات الموجودة كي يعود لخطبة الجمعة أثرها وقيمتها في حياتنا وسلوكياتنا اليومية.

وإذا كان من الضروري دعوة الخطباء للاعتناء بخطبة الجمعة وإعطائها الاهتمام اللازم لها إعدادًا، فإن هذا لا يعفي المستمعين من مسؤولية التفاعل مع ما يُطرح عليهم.

استحضار معنى العيد

ولعل من أهم ما قد يساعدهم على ذلك هو استحضار معنى العيد في يوم الجمعة. فمما يجب ألا يغيب عن ذهن المصلي حين يذهب للمسجد أن الجمعة عيد المسلمين كما جاء في الحديث النبوي: “إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ…” رواه أحمد. وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ: فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا. وَلاَ تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ”. رواه مسلم.

وإذا كان خطيب الجمعة مسؤولًا، ولا شك، عن إشاعة جوّ العيد في هذا اليوم من خلال الروح الإيجابية التي يُفترض في خطبته أن تنشرها على الحاضرين، فيبقى للمصلّي الدور الأخير في الحفاظ على جوّ العيد حتى ولو لم تؤدِّ الخطبة دورها، كي لا تكون الخسارة مضاعفة: بعدم الاستفادة من الموضوع المطروح، وبضياع أجواء العيد.

الفرح بلقاء المؤمنين

والعيد في الإسلام هو اليوم الذي يريد الله فيه للإنسان أن يفرح برضى الله عنه والإحساس بمغفرة الله تعالى ومرضاته وكرمه وجوده، وأن يفرح بإدخال الفرح على الناس. ولذلك فيجب على المصلي أن يستشعر معاني الفرح والسرور في نفسه، وأن يحرص كذلك على أن يكون عنصر فرح وسعادة لمن يراهم في المسجد، ثم حين يلاقي عموم المؤمنين خارج المسجد، ولا سيما الأقربين منه، فيكون عنصر فرح وسرور لزوجته وأولاده، والزوجة تكون عنصر فرح لزوجها وأولادها.

حين نحافظ على أجواء عيد الجمعة بهذا الوعي، وبهذا الشكل، فإننا نصنع بذلك الفرحَ في محيطنا، ويصبح أيضًا لملاقاة الآخرين، في يوم الجمعة، دور إيجابي في تجديد الإيمان في القلوب.