كتاب “الهيمنة وفنون المقاومة: النصوص الخفية” لجيمس سكوت من أكثر الكتب التي وجدت فيها مفاتيح لفهم ما يجري في المجتمعات التي تعيش تحت الضغط السياسي والاجتماعي، ومنها المجتمعات العربية. وما يجعله مميزا أنه لا يكتفي بتحليل ما يقوله الناس علنا، بل يُركّز على ما يُخفونه ويُعبّرون عنه في الخفاء.

سكوت مفكر سياسي أمريكي طور مفهوم “النص الخفي”، أي الخطاب الذي يُنتجه المحكومون بعيدا عن أعين الحاكم، في مقابل “النص العلني” الذي يُقدَّم للعموم.

المقاومة بالحيلة: حين يُلعَن الحاكم بصوت خافت

من أكثر الأمثلة التي استوقفتني في الكتاب قصة العبيد في جنوب الولايات المتحدة. كان العبد لا يستطيع مواجهة “سيده” بصراحة، فالثمن كان الموت أو التعذيب. لكنه طوّر طريقة أخرى للتعبير: الدعاء والأغاني والأمثال التي تبدو في ظاهرها دينية أو بريئة، لكنها في باطنها تحمل لعنات ومقاومة وتمسّكا بالكرامة.

يروي سكوت مثلا أن عبدة سوداء في مزارع الجنوب كانت تُصلّي علنا بصوت مسموع لسيدها بالصحة والعافية، ثم تُكمل بصوت خافت “حتى لا يموت قبل ما أراه يحترق.” هذا النوع من التعبير، المقاومة المُلفَّفة والهجاء المُشفَّر والغضب المُرمَّز، هو ما يُسمّيه سكوت “المقاومة بالحيلة”.

وهذا النمط لا يقتصر على العبيد، بل يوجد في كل سياق تتفاوت فيه موازين القوة: الفلاح أمام الإقطاعي، والموظف أمام مديره المتسلط، والمواطن أمام الدولة القمعية. الشكل يتغير لكن المنطق واحد: حين يُغلق الباب أمام المواجهة المباشرة، يُبدع الإنسان مساراته الخفية للمقاومة والتعبير.

الحكم بالحيلة: المقابل من جهة السلطة

ما يُميّز كتاب سكوت عن كثير من كتب علم السياسة هو أنه لا يكتفي بتحليل جانب المحكومين بل يُحلّل الجانب المقابل: السلطة أيضا تعمل بالحيلة.

الحكم بالحيلة يعني توظيف الرموز والمصطلحات والمراسم لإنتاج موافقة وهمية وتطبيع السلطة في العقل الجماعي. من أبرز أدواته:

الفخامة اللغوية المُعقِّمة: كل سلطة تطوّر مصطلحاتها الخاصة التي تُطهّر الأفعال القبيحة من قبحها. “فرض السلام” بدل الغزو العسكري، “تنفيذ حكم القضاء” بدل الإعدام، “مراكز إعادة التأهيل” بدل السجون السياسية، “ضبط الأسعار” بدل الاستغلال. هذه اللغة لا تخدع الضحايا المباشرين لكنها تُعمي المراقبين الخارجيين وتُصعّب المحاسبة.

التوافق المُصطنَع: السلطة تحتاج إلى مظهر الرضا الشعبي حتى حين يكون غائبا. فتُنظّم تجمعات يحضرها الناس خوفا أو مصلحة لكنها تُصوَّر كتعبير عن التأييد الصادق. وحين يُخضع الناس لهذه المراسم بصمت مُريب، يُفسَّر صمتهم كموافقة.

استعراض القوة كرادع: بعض الطقوس السلطوية ليست للتواصل بل للإرهاب المنظّم. استعراض العسكر وآليات القمع في الأعياد الوطنية ليس لتحقيق غرض مادي بل لتذكير المحكومين بأن السلطة قادرة.

تطبيق على العالم العربي

حين قرأت سكوت وجدت في تحليله مرآة لكثير مما عرفته في تونس وغيرها من البلدان العربية.

“المقاومة بالحيلة” في السياق العربي أخذت أشكالا كثيرة: النكتة السياسية التي كانت تنتشر بسرعة البرق رغم القمع، والأغنية الملتوية التي يفهم منها من يُريد الفهم، والكتابة بين السطور عند المثقفين، وتوظيف الخطاب الديني كغطاء للمطالب السياسية في بعض المراحل.

وما كشفته ثورة 2011 بصورة لافتة هو أن هذه المقاومة الخفية لم تكن إشارة على الرضا كما أرادت السلطة تصويرها، بل كانت ضغطا متراكما ينتظر لحظة الانفجار.

وفي المقابل، الأنظمة العربية طوّرت من أدوات “الحكم بالحيلة” شيئا لا يُحصى: من تعيينات رجال الدين في الأوقاف لإنتاج خطاب ديني مُروَّض، إلى توظيف اللغة القومية لتجريم المعارضة، إلى الاستخدام الانتقائي للشرعية الثورية لتبرير القمع.

القيمة المنهجية للكتاب

ما يبقى من قراءة سكوت هو أداة تحليلية نافعة: في كل موقف سياسي أو اجتماعي اسأل: ما النص الخفي هنا؟ ما الذي لا يُقال علنا لكنه يُقال في الخلوات والأسرار؟ وما الذي يُقال علنا ويُخفي أجندة مغايرة؟

هذا السؤال يُفكّك كثيرا مما يُشوّش الحكم السياسي والاجتماعي: يكشف أن الصمت ليس دائما قبولا، وأن الكلام العلني ليس دائما صادقا، وأن المقاومة لا تنتهي حين تُغلق أبواب الفضاء العام.

خاتمة

جيمس سكوت يُعطيك بلغة علمية رصينة ما كنت تشعر به حدسيا: أن الهيمنة لا تُنتج طاعة حقيقية بل مسرحية طاعة، وأن المحكوم الصامت ليس راضيا بالضرورة، وأن التاريخ يكشف في لحظات الانقطاع، الثورات والانفجارات، حجم ما كان مخفيا خلف النص العلني الهادئ.