يثير موضوع الترحم على غير المسلمين حساسية فقهية وعاطفية خاصة، لأنه يقع عند تقاطع النصوص، والولاء العقدي، والعلاقة الإنسانية بالناس في الحياة اليومية. وما يلفت الانتباه في هذا الملف ليس فقط الخلاف الفقهي، بل أيضا مقدار اليقين الزائد الذي يتكلم به بعض الناس في مسائل تتصل في النهاية بعلم الله بالغيب.
أين يقع الخلاف؟
تستند المواقف المانعة غالبا إلى قوله تعالى: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين (التوبة: 113). وهذا نص له وزنه الواضح في الباب. لكن تنزيله على الوقائع المعاصرة، وعلى الألفاظ المتداولة بين الناس، وعلى الفروق بين الاستغفار والترحم والتعاطف الإنساني، ظل محل نقاش واختلاف عند العلماء قدامى ومعاصرين.
لهذا لا يبدو لي الملف من النوع الذي يحتمل تبسيطا غاضبا أو قولا واحدا يلغى به كل ما عداه من اجتهادات وتمييزات.
المشكلة ليست فقط في الحكم بل في الجزم
ما يزعجني أكثر من الاختلاف الفقهي نفسه هو الانتقال السريع من حكم جزئي إلى يقين كامل بمآل أشخاص بأعيانهم: هذا في الجنة، وهذا في النار. هذا النوع من الجزم يتجاوز كثيرا ما يملكه الإنسان من علم.
نحن لا نعلم خفايا الناس، ولا ما قامت به عليهم الحجة على الوجه الكامل، ولا ما انتهت إليه قلوبهم عند الموت، ولا كيف يُعامل الله أفرادا عاشوا في سياقات معرفية ونفسية وتاريخية مختلفة. ولهذا يبقى التواضع في هذا الباب أقرب إلى السلامة من الحسم السريع.
بين الفقه والعلاقة الإنسانية
من المشروع أن يختار المسلم لنفسه احتياطا معينا في الألفاظ الدعائية، وأن يلتزم بما يراه أبرأ لذمته. لكن من غير المشروع أن يتحول هذا الاحتياط إلى قسوة معرفية أو أخلاقية، أو إلى تربية جيل كامل على النظر إلى كل غير مسلم باعتباره ملفا مغلقا في العذاب.
في المجتمعات المختلطة، حيث يعيش المسلمون مع جيران وزملاء وأساتذة وأصدقاء من خلفيات مختلفة، تصبح طريقة شرح هذه القضايا جزءا من صورة الدين نفسه. والشرح الناضج هو الذي يحفظ الموقف العقدي من جهة، ويحفظ التواضع أمام الغيب من جهة أخرى.
ماذا يمكن قوله بأمان؟
يمكن للإنسان أن يقول: هذه المسألة فيها خلاف وتفصيل، وأنا أتحفظ في بعض الألفاظ. ويمكنه أيضا أن يقول: الحكم النهائي لله، وأنا لا أملك أن أقطع بمصير شخص بعينه. هذا في نظري أكثر اتساقا مع الورع من إطلاق أحكام نهائية في مسائل لم يُطلعنا الله على تفاصيلها.
خاتمة
الترحم على غير المسلمين ليس مسألة بسيطة، لكنه أيضا ليس مناسبة للتشدد الخطابي أو للغرور المعرفي. الأليق بهذا الباب هو الجمع بين احترام النصوص، وإدراك مجال الاجتهاد، والتواضع أمام الغيب.
الله هو الأعلم بالناس، وبما بلغهم، وبما أخفوه، وبما ختم لهم. وكلما اقترب السؤال من هذا المستوى، كان التواضع أوجب من اليقين السريع.