أزمة ذات، قبل أن تكون أزمة حكم
تونس اليوم أمام مأزق عميق، يتجاوز حدود أزمة الحكم والإدارة، ليصل إلى أزمة مشروع ووجهة، بل وأزمة تعريف للذات الوطنية. والانقلاب الأخير لم يكن حدثًا معزولًا أو مفاجئًا، بل تتويجًا لمسار طويل من الاستقطاب الحاد، حيث تحوّل الخلاف السياسي بين المحافظين، ممثلين أساسًا في حركة النهضة، وخصومهم من التيارات اليسارية والليبرالية، من منافسة سياسية طبيعية إلى صراع وجودي مفتوح، أتى على الأخضر واليابس.
خلال هذا المسار، تم اختزال النقاش العام في معركة “تخوين” و”تكفير سياسي”، و”وصم بالإرهاب والفساد”، كسلاح لإقصاء الخصم وتجريده من الشرعية.
وتغذّى هذا الانقسام على خطاب إعلامي وسياسي حاد، مليء بالشعارات الإقصائية والاتهامات المتبادلة، والإشاعات العجيبة، مما دفع بالبلاد إلى ما يشبه “حرب هوية” أفرغت السياسة من مضمونها العملي، وأغلقت الأبواب أمام أي حلول وسط أو مشاريع مشتركة. وبدل أن تكون السياسة أداة لإدارة التنوع، أصبحت ساحة لتصفية الحسابات وإعادة تشكيل المجتمع على مقاس كل طرف. والنتيجة كانت تقويض أسس الديمقراطية الناشئة، وتآكل ثقة المواطنين في العملية السياسية، وشعور متزايد بأن اللعبة السياسية لا تنتج سوى أزمات جديدة.
ملاحظة أوّلية حول المصطلح
في السياق التونسي (والعربي عمومًا)، كلمة “اليسار” محمَّلة بدلالات تاريخية وأيديولوجية تجعل كثيرًا من الناس ينفرون منها تلقائيًا، حتى قبل فهم مضمون الخطاب. والسبب أنّ الكلمة ارتبطت في الوعي العام بعدة صور سلبية:
• الإلحاد أو معاداة الدين: نتيجة التجربة التاريخية لبعض أحزاب اليسار الإيديولوجي التي تبنّت خطابًا صداميًا مع البعد الديني.
• الانغلاق النخبوي: انطباع بأن اليسار يعيش في برج فكري معزول عن الناس العاديين.
• الارتباط بالصراع الأيديولوجي القديم: حيث ظل مصنفًا كجزء من معادلة “إسلامي/علماني” بدل أن يُرى كتيار اجتماعي ديمقراطي معني بالعدالة والحرية.
• ضعف الإنجاز السياسي: كثير من الأحزاب التي حملت اسم “يسار” في تونس لم تحقق نتائج ملموسة، ما رسّخ الصورة بأنها خطاب احتجاجي بلا حلول عملية.
لهذا، قد يكون استخدام كلمة “اليسار” في التسمية العلنية عائقًا تسويقيًا سياسيًا، حتى لو كانت المضامين التي يدافع عنها المشروع أقرب ما تكون لفلسفة اليسار الديمقراطي الاجتماعي. والحل قد يكون في:
• تغيير المصطلح في الخطاب العام.
• إبراز المضامين قبل التسميات، أي أن يعرف الناس المشروع من مواقفه ومبادئه قبل أن يعرفوا التصنيف السياسي له.
• توضيح الفارق مع اليسار الإيديولوجي في كل مناسبة، لإزالة اللبس.
اليسار الديمقراطي الاجتماعي
البديل الممكن لتجاوز الاستقطاب
في هذا المشهد المأزوم، يفرض سؤال البديل نفسه بإلحاح: هل يمكن لليسار الديمقراطي الاجتماعي أن يكون هو المخرج من حالة الانسداد السياسي التي تعيشها تونس؟ هذا التيار، الذي يقوم على التوازن بين الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية، يمتلك من حيث المبدأ عناصر تؤهله لتقديم مشروع وطني جامع، يتجاوز الانقسامات الهووية ويعيد توجيه النقاش العام نحو القضايا الجوهرية للمجتمع.
ميزة هذا التيار تتمثل في:
• كونه لا يعادي الدين ولا يسعى لاحتكاره، بل يضعه في مكانه الطبيعي كمرجع قيمي وأخلاقي يساهم في صياغة الرؤية المجتمعية، دون أن يتحول إلى أداة للإقصاء أو الاحتكار السياسي.
• وهو أيضًا لا يختزل السياسة في البعد الاقتصادي وحده، بل يربطها بالكرامة الإنسانية وبناء مجتمع متضامن، قادر على حماية الحريات وضمان الحقوق الأساسية لجميع مواطنيه.
• ويختلف هذا المسار عن اليسار الأيديولوجي المتشدد، الذي يتعامل مع البعد الروحي بحذر أو إقصاء، ما يجعله في مواجهة دائمة مع مكونات الهوية الثقافية للمجتمع.
• كما يختلف عن اليمين المحافظ، الذي يوظف الدين والقيم الثقافية، إما لمقاومة التطوير والتحديث، ورفض التنوع أو التضييق عليه، والتردد أو الرفض في تحقيق المساواة الكاملة في المواطنة بين الأغلبية والأقلية، أو لإعطاء الأولوية للاستقرار على حساب العدالة.
اليسار الديمقراطي الاجتماعي، بهذا المعنى، يسعى إلى تأسيس مساحة سياسية وسطية حقيقية، قادرة على حماية الحرية دون التفريط في العدالة، وعلى تحقيق العدالة دون التضحية بالحرية. وهو مشروع يريد أن ينقل السياسة من خنادق الحرب الأيديولوجية إلى طاولة الحوار حول التنمية والمساواة وتكافؤ الفرص وضمان الحقوق.
وبذلك يمكن أن يشكّل أرضية مشتركة تجمع أطيافًا واسعة من المجتمع، ممن سئموا الانقسام الحاد ويريدون الانتقال إلى مرحلة بناء الدولة على أسس ديمقراطية راسخة.
فرص النجاح
جسر بين الهوية والمواطنة
فرص نجاح هذا التيار ليست مجرد احتمال نظري، بل تبدو اليوم واقعية وربما تاريخية، إذا ما أحسن استثمارها. فالمجتمع التونسي المنهك من الاستقطاب العقيم، يبحث عن خطاب يحرره من ثنائية “إسلامي/علماني” التي شلّت الحياة السياسية لسنوات. واليسار الديمقراطي الاجتماعي يمتلك من حيث المبدأ القدرة على صياغة هذا الخطاب، ليجمع في مشروع وطني مشترك المتدينين منين والعلمانيين، وأهالي المناطق الداخلية وسكان المدن الكبرى، والطبقات الوسطى والفقيرة، في إطار هوية وطنية جامعة، تُعرّف نفسها بالتنوع والتعايش، لا بالإقصاء والتقسيم.
قوة هذا التيار الحقيقية تكمن في انحيازه العملي، لا الشعاراتي، للفئات المهمشة والمستضعفة، من خلال سياسات تضع العدالة الاجتماعية في قلب العمل السياسي، وتسعى لتقليص الفوارق الجهوية والاجتماعية، وتوفير فرص متكافئة في التعليم، والصحة، والعمل. هذا الانحياز ليس خيارًا تكتيكيًا، بل جوهر المشروع ذاته، ما يجعله متوافقًا مع المطالب التي قامت من أجلها ثورة 2011: الحرية والكرامة والعدالة.
إضافة إلى ذلك، فإن هذا التيار قادر على أن يكون الضامن لمكاسب الثورة والحريات العامة، وفي الوقت نفسه المقدم لحلول اقتصادية واجتماعية عملية، تمزج بين البعد التنموي والإصلاح المؤسسي.
وهو التيار الذي يملك فرصة حقيقية للخروج من دائرة الجدل الإيديولوجي العقيم، الذي شلّ المشهد التونسي لسنوات بين أنصار النهج المحافظ وخصومهم، لينقل السياسة من منطق المعارك الهويّاتية إلى منطق الحلول العملية التي توازن بين الحرية والعدالة، بحيث يثبت أن الحرية لا تعني الفوضى، وأن العدالة لا تعني العداء للمبادرة الفردية، بل هما قيمتان متكاملتان، لا تتحقق إحداهما إلا بالأخرى.
شروط التحول إلى قوة فاعلة
لكي تتحول هذه الإمكانات النظرية إلى واقع سياسي مؤثر، يحتاج اليسار الديمقراطي الاجتماعي إلى أكثر من النوايا الحسنة أو الخطاب الجيد:
• الشرط الأول هو صياغة خطاب وطني جامع: بلغة بسيطة وواضحة، يفهمها المواطن في السوق والمصنع والجامعة، ويشعر أنها تتحدث عن مشاكله اليومية لا عن سجالات النخب. هذا الخطاب يجب أن يمزج بين قيم الحرية والعدالة في مشروع واحد، ويقدم نفسه باعتباره مشروعًا وطنيًا شاملًا، لا مجرد انحياز لفئة أو جهة أو طبقة.
• الشرط الثاني هو القيادة: فالتيار، أيًّا كانت أفكاره، لا يمكن أن ينجح دون قيادات نظيفة وكفؤة وقادرة على إدارة الدولة بكفاءة واستقلالية عن الولاءات الخارجية أو المحاور الإقليمية. هذه القيادة يجب أن تجمع بين الخبرة السياسية، والحضور الميداني، والقدرة على مخاطبة كل فئات الشعب بلا استعلاء أو وصاية.
• الشرط الثالث هو البرنامج العملي. لا يكفي رفع الشعارات حول العدالة الاجتماعية أو التنمية، بل لا بد من تقديم رؤية اقتصادية اجتماعية واضحة وقابلة للتطبيق، تتعامل بجدية مع ملفات البطالة، والفقر، والتفاوت الجهوي، وإصلاح التعليم والصحة، وتنشيط الاقتصاد عبر سياسات متوازنة تحمي الفئات الضعيفة وتدعم الاستثمار المنتج.
• ورابعا وأخيرًا، لا بد من بناء تحالفات واسعة، مدنية وشعبية، تتجاوز الانقسامات التقليدية، لتشكيل قاعدة سياسية صلبة قادرة على مواجهة القوى الراسخة في المشهد. هذه التحالفات يجب أن تُبنى على المشترك الوطني، لا على الحسابات الظرفية أو الصفقات الانتخابية قصيرة المدى، حتى يكتسب المشروع مصداقية واستمرارية.
الأخطاء التي تعرقل المسار
رغم ما يمتلكه اليسار الديمقراطي الاجتماعي من فرص وإمكانات، إلا أن مساره الحالي مثقل بسبعة أخطاء جوهرية تحدّ من قدرته على التحول إلى قوة سياسية فاعلة:
أولًا: أخطاء في الخطاب والهوية
• غياب موقف واضح وحاسم من مسألة الهوية الوطنية والدين: هذا الغموض يضعه في موقف دفاعي دائم أمام اليمين المحافظ، ويمنح خصومه فرصة لاتهامه بالانفصال عن وجدان المجتمع أو المساهمة في طمس مكوناته الثقافية.
• تبني شعار اليسار الديمقراطي الاجتماعي كمنطلق، ثم السقوط في خطاب وسلوكيات أقرب إلى اليسار المؤدلج: هذا الانزلاق أضعف قدرته على الحفاظ على هويته المستقلة، وقرّبه من الصراعات العقائدية التي كان يفترض أن يتجاوزها، مما مهد لفقدان موقعه كقوة وسطية جامعة.
ثانيًا: أخطاء في الأداء السياسي
• رفع شعارات لم يلتزم بها عمليًا: تبنى خطابًا عالي النبرة حول قضايا كبرى مثل مكافحة الفساد، لكنه فشل في ترجمة هذا الخطاب إلى سياسات فعّالة أو نتائج ملموسة. بل إن ممارساته السياسية أحيانًا ناقضت شعاراته، مما أضعف مصداقيته لدى الرأي العام.
• خوض معارك بدون أرضية صلبة: انخرط في صراعات كبرى مثل الحرب على الفساد دون امتلاك الأدوات الكافية أو الأدلة القاطعة، الأمر الذي جعله يفقد السيطرة على مسار المعركة، ويتحول من مهاجم إلى متهم بالتوظيف السياسي، خاصة حين استهدف شركاءه في الحكم بعد فترة من التحالف معهم.
• العجز عن ترتيب الأولويات: لم ينجح في وضع خطة متدرجة لبناء القدرات المؤسسية والاستفادة من تجربة الحكم، فتناثر جهده في معارك جانبية بدل التركيز على الملفات القادرة على إحداث فرق حقيقي في حياة المواطنين.
ثالثًا: أخطاء في التواصل والتحالفات
• العزلة النخبوية: كثير من كوادر هذا التيار يظل حبيس الصالونات الفكرية والنقاشات المغلقة، أو الفايسبوكية، بعيدًا عن الاحتكاك المباشر بالشارع والطبقات الشعبية، خصوصًا في الجهات الداخلية والمناطق المهمشة. هذه المسافة تفقده القدرة على فهم أولويات الناس الحقيقية، وتحول دون بناء قاعدة جماهيرية واسعة.
• الدخول في تحالفات مع قوى سياسية (يسار مؤدلج) فقدت مصداقيتها لدى الشارع: هذه التحالفات، وإن كانت تبدو في ظاهرها خطوات تكتيكية، إلا أنها تترك أثرًا سلبيًا طويل المدى، إذ تضعف رصيد التيار الأخلاقي وتجعله يبدو جزءًا من المنظومة التي ينتقدها.
تراكم هذه الأخطاء يجعل من الصعب على اليسار الديمقراطي الاجتماعي أن يقدّم نفسه كبديل حقيقي، إلا إذا قام بمراجعة جذرية لخطابه، وأسلوب عمله، وشبكة تحالفاته، بما يعيد له الثقة المفقودة ويؤهله لمواجهة التحديات القادمة بثبات.
لماذا عجز اليسار الديمقراطي الاجتماعي حتى الآن؟
رغم الفرصة التاريخية التي أتيحت له ليكون قوة وسطية قادرة على تجاوز الاستقطابات، فشل اليسار الديمقراطي الاجتماعي في الحفاظ على موقعه المستقل، واختار -أو انجرّ- إلى الاقتراب المفرط من أحزاب اليسار الأيديولوجي.
وبدل أن يمارس تأثيرًا إيجابيًا يجذب هذه القوى نحو خطاب أكثر اعتدالًا وبراغماتية، وجد نفسه ينجذب إلى خطابها الراديكالي وصراعاتها القديمة.
هذا الانزلاق أفقده ميزته التنافسية، وهي القدرة على تمثيل شريحة واسعة من التونسيين الباحثين عن بديل متوازن لا يقصي الدين من المجال العام ولا يختزله في شعارات محافظة. ومع هذا الاقتراب غير المحسوب، فقد تدريحيا جزءًا من رصيده الشعبي، إذ صار يُنظر إليه على أنه امتداد لليسار المؤدلج، لا كقوة وسطية مستقلة. وكما اتهم البعض بأنه “باراشوك النهضة”، أصبح يُنظر لليسار الديموقراطي الاجتماعي على أنه “باراشوك اليسار المؤدلج”.. والنتيجة كانت انكماش قاعدته، وضياع موقعه كجسر محتمل بين مكونات المشهد السياسي، وتحوله إلى طرف في الاستقطاب بدل أن يكون أداة لإنهائه.
تجاوز العقبات
العودة إلى الذات، والانسجام في الوعود والخطاب والممارسة
تجاوز المأزق الذي يعيشه اليسار الديمقراطي الاجتماعي لا يمكن أن يتم بخطاب عام أو بتغييرات تجميلية، بل يحتاج إلى مراجعة جذرية تعيد التيار إلى ذاته الحقيقية كقوة سياسية واجتماعية منبثقة من الناس وملتزمة تجاههم. هذه العودة تبدأ أولًا بالانسجام بين الشعار والمضمون، وبين الخطاب والممارسة، بحيث يكون “ديمقراطيًا” فعلًا في ممارساته وتحالفاته، و”اجتماعيًا” حقًا في سياساته وانحيازاته.
• الخطوة الأولى في هذه المراجعة هي حسم الموقف من قضية الهوية، بعيدًا عن المزايدات، عبر صياغة رؤية جامعة تحترم الإيمان والحرية معًا، وتعتبرهما عنصرين متكاملين في بناء مجتمع متوازن، يحمي التعددية ويرفض الإقصاء. هذه الرؤية يجب أن تُطرح بوضوح كأرضية جامعة لكل من يريد الخروج من الاستقطاب العقيم.
• ثم يأتي الانخراط الفعلي في الميدان، والخروج من دائرة الصالونات المغلقة والنقاشات النخبوية أو الافتراضية، إلى ساحات العمل الحقيقي: النقابات، الجمعيات، المبادرات المحلية، وكل فضاء يتواجد فيه المواطنون يوميًا. هذا الانخراط لا يجب أن يكون موسميًا مرتبطًا بالانتخابات، بل عملًا مستمرًا ومنظمًا يبني الثقة على المدى الطويل مع الفئات الشعبية في المدن الكبرى والجهات الداخلية على حد سواء.
• ومن ركائز المراجعة كذلك ترتيب الأولويات، بحيث يلتزم التيار بتركيز طاقاته على الملفات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية ذات الأثر المباشر، بدل استنزاف نفسه في معارك إيديولوجية يخوضها بالوكالة عن اليسار المؤدلج. فهذا الانحراف يُفقده استقلاليته ويفرغ مشروعه من مضمونه الوسطي الجامع.
• كما أن السعي للشراكات والتحالفات يجب أن يكون بعقلية منفتحة على المصلحة العامة، لا محكومة فقط بالحسابات الانتخابية الآنية. وهذا يشمل الاستعداد لخوض مصالحات تاريخية تعيد ترميم الثقة بين الفاعلين السياسيين والمجتمع، حتى مع الأطراف التي اختلف معها سابقًا، طالما أن الأرضية المشتركة قائمة على قيم الديمقراطية والعدالة.
• وفي صلب هذا المسار، يظل الاستثمار في جيل جديد من القادة السياسيين أمرًا حاسمًا: شباب ميدانيون، نظيفو اليد والفكر، قادرون على التواصل مع الناس بصدق، وعلى صياغة خطاب حيوي يعكس المستقبل الذي يريده التونسيون. وجوه جديدة غير مثقلة بصراعات الماضي أو بأخطاء تواصلية أضعفت التيار، بما في ذلك إفساح المجال لتراجع بعض القيادات الحالية التي فقدت ثقة الرأي العام، حتى لا يظل التيار يحمل على ظهره إرث تلك الأخطاء ويعيق قدرته على تجديد صورته وبناء الثقة من الصفر.
العودة إلى الذات ليست مجرد مراجعة فكرية، بل شرط وجود. وإذا لم ينسجم هذا التيار مع مبادئه المعلنة، فسيظل حبيس الهامش، عاجزًا عن التأثير في مسار الأحداث أو لعب دور الجسر الذي يعبر به التونسيون نحو مرحلة سياسية أكثر استقرارًا وعدلًا.
دروس من العالم
- متى نجحت تجارب اليسار الديمقراطي الاجتماعي؟
النجاحات البارزة في العالم تثبت أن هذا التيار قادر على تجاوز الاستقطاب وتحقيق إصلاحات ملموسة حين يركز على بناء الثقة مع المواطنين، ويقدم حلولًا واقعية لمشاكلهم اليومية، ويتجنب الانغلاق الإيديولوجي.
• إسبانيا (2018 – حتى الآن): استطاع الحزب الاشتراكي العمالي بقيادة بيدرو سانشيز العودة إلى الحكم بعد أن طوّر خطابه ليكون أكثر قربًا من أولويات الناس: التشغيل، والسكن، والخدمات الاجتماعية، مع بناء تحالفات مرنة وعدم الارتهان للصراعات العقائدية.
• البرتغال (2015 – حتى الآن): قدّم أنطونيو كوستا نموذجًا في التوفيق بين النمو الاقتصادي وتقليص الفوارق الاجتماعية، عبر سياسة إصلاحية واقعية وتحالفات واسعة، دون التفريط في الهوية الديمقراطية الاجتماعية.
• الأوروغواي (2005 – 2020): أثبت تحالف “الجبهة الواسعة” بقيادة رؤساء مثل تاباري فاسكيس وخوسيه موخيكا أن التنوع الفكري داخل جبهة سياسية واحدة يمكن أن يكون مصدر قوة، حين يجتمع على أرضية برنامجية واضحة: دولة رفاه قوية، مشاركة سياسية واسعة، واحترام حكم القانون.
• كندا (2003 – 2011): قاد جاك لايتون حزب الديمقراطيين الجدد (NDP) منذ 2003، وتمكن في الانتخابات الفيدرالية عام 2011 من تحقيق أفضل نتيجة في تاريخ الحزب، بحصوله على 103 مقاعد وتشكيله للمعارضة الرسمية لأول مرة. سر نجاحه كان في تقديم خطاب إيجابي وجامع، يركز على القضايا التي تمس حياة المواطنين مباشرة: الرعاية الصحية، العدالة الاجتماعية، دعم الطبقة الوسطى، وحماية البيئة، مع الحفاظ على نبرة تفاؤلية بعيدة عن السجالات العقيمة.
- في المقابل، متى فشلت تجارب اليسار الديمقراطي الاجتماعي؟
لكن ليست كل التجارب ناجحة. الفشل غالبًا ما يأتي عندما يذوب التيار في تحالفات غير متوازنة تجرده من هويته المميزة، أو عندما ينجرف إلى صراعات إيديولوجية تستهلك طاقته وتبعده عن هموم المواطنين الفعلية.
• أوروبا الغربية (منذ 2010): في بعض الدول، أدى انزلاق أحزاب يسار ديمقراطي اجتماعي إلى تبني سياسات تقشفية تحت ضغط المؤسسات المالية الدولية بعد أزمة 2008 إلى فقدان ثقة قاعدتها الشعبية، ما سمح بصعود قوى شعبوية أو يمينية متطرفة على أنقاضها (مثل الحزب الاشتراكي في فرنسا بعد 2012).
• تجارب التحالف غير المتكافئ (مستويات مختلفة في 2000s و2010s): الاقتراب المفرط من اليسار الأيديولوجي، دون القدرة على التأثير في خطه، جعل بعض الأحزاب تخسر موقعها الوسطي وتتحول إلى طرف في الاستقطاب بدل أن تكون جسرًا لتجاوزه. النتيجة كانت فقدان المصداقية لدى القاعدة الأوسع من المواطنين، والانكماش إلى دائرة ضيقة من المؤيدين الملتزمين عقائديًا.
فرصة لا تحتمل الانتظار
اليسار الديمقراطي الاجتماعي في تونس يملك فرصة تاريخية ليكون الجسر الذي يعبر بالبلاد من الاستقطاب إلى التوافق، ومن الصراع إلى البناء. لكن هذه الفرصة لن تدوم، ولن تتحول إلى واقع إلا إذا استعاد استقلاليته، وابتعد عن التحالفات التي تذوب هويته، ونزل إلى الشارع بخطاب واضح وبرنامج عملي.
التجارب العالمية تثبت أن النجاح ممكن حين تتقدم القيم والمشاريع على الشعارات والصراعات، وأن الفشل حتمي إذا فقد التيار صلته بالمجتمع. إما أن يتحرك الآن، أو يترك الساحة لدوامة الانقسامات والانكسارات.
Updated Aug 05, 2025 8:43:41 am