الميراث بين النص والمقاصد والواقع: أربع مقاربات تستحق أن تُسمَع

من أكثر الملفات التي يختلط فيها الفقه بالهوية والسياسة والانفعال الجماعي ملف الميراث. فما إن يُفتح النقاش حوله حتى يتحول عند كثيرين إلى معركة بين معسكر الإيمان ومعسكر التمرد، بينما الحقيقة أكثر تعقيدا بكثير. لأن السؤال ليس فقط: هل نغير أو لا نغير؟ بل أيضا: كيف نفهم النص؟ وكيف نقرأ سياقه التاريخي؟ وكيف نوازن بين المقصد والعبارة والواقع الاجتماعي المتحول؟

أنا أميل هنا إلى قراءة ترى أن أحكام الميراث، مثل غيرها من الأحكام الاجتماعية، لا تُفهم خارج تدرجها التاريخي ووظيفتها في تحقيق العدل داخل المجتمع الذي نزلت فيه. وهذا لا يعني أن كل تفصيل فيها يفقد قيمته، ولا يعني أيضا أن أي دعوة إلى المراجعة تصح تلقائيا، بل يعني أن هذا الملف أوسع من القراءة الحرفية المغلقة، وأنه يستحق نقاشا علميا هادئا حول المقاصد والواقع وآليات تنزيل النص.

ومن المهم أن نتبين من البداية أن الميراث يدخل في باب الأحكام الاجتماعية والمالية، لا في باب الشعائر التعبدية المحضة. ولذلك ظل مجالا للاجتهاد والنظر في الفقه الإسلامي. وما أريد الدفاع عنه هنا ليس نتيجة وحيدة ملزمة، بل مشروعية النظر في كيفية تنزيل هذه الأحكام حين يتغير الواقع الاجتماعي وتتبدل بنية الأسرة ومسؤوليات الإنفاق والملكية.


أولا: الإطار التاريخي لأحكام الميراث

لم تأت أحكام المواريث في صورة واحدة مكتملة من أول وهلة، بل مرّت، في قراءتي، بأكثر من مرحلة في العهدين المكي والمدني.

ففي بداية الإسلام، في الفترة المكية، كان الميراث أساسه الحِلف والنُّصرة حتى مع اختلاف الدِّين. فكان بعض المشركين المتعاطفين مع المسلمين يوفرون حماية قَبَلية لهم بموجب الإعلان عن الموالاة أو النصرة، وبموجب هذه الموالاة يدخل كلا الرجلين مع أهل الآخر في الميراث. ولذلك كان المسلم يرث من غير المسلم، والعكس أيضا إن كان بينهما موالاة ونصرة: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ (النساء). وقد بقي هذا الحكم إلى بداية الفترة المدنية.

ثم تغيّر الحكم بعد فترة قصيرة من الهجرة، فكان الإرث بالإسلام والهجرة فقط. في سورة الأنفال: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا. وبهذه الآية انقطعت الولاية بين المؤمن المهاجر وغيره ممن لم يُؤمن أو آمن ولم يهاجر.

ثم تغير الحكم مرة ثالثة، فأصبحت الولاية للقرابة والرحم فقط: وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ (الأنفال).

إذن نلاحظ تدرجا: من الميراث على أساس الولاية والنصرة، إلى الميراث على أساس الإسلام والهجرة، ثم إلى الميراث على أساس القرابة والرحم. وهذا يبين أن تنظيم الإرث كان متصلا بتحولات الجماعة المسلمة الناشئة وبناء المجال المدني الجديد في المدينة.

في مستوى ثانٍ من التدرج، نلاحظ أنه في البداية لم يكن هناك نظام مقدَّر للميراث، فتُرك للرجل لبضع سنوات بعد الهجرة، أن يُوزع ماله قبل موته كما يشاء: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ (البقرة). ولكن الرجال، بحكم أعرافهم القَبَلية، عمدوا إلى تخصيص بعضٍ دون بعض بالوصية، فكانوا يخصّون الرجال دون النساء. فنزل الوحي: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ (النساء). فأصبح نصيب المرأة فرضا وليس اختيارا. ومع ذلك لم يُبيَّن نصيب كل وارث.

وبعد فترة، تولَّى القرآن توزيع التَّرِكة: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ (النساء). فبيَّن نصيب الأصول والفروع، ثم نصيب الزوجين، ثم نصيب الإخوة والأخوات.

وكان حظ الأنثى يراعي كونها لا تنفق على نفسها، وإنما الرجل هو الذي ينفق عليها. فراعى القرآن في التوزيع جعلَ حظِّ الذَّكَر مثلَ حَظِّ الأنثيين إذا كانت هناك مساواةٌ في الدرجة، لأن الأنثى لا تنفق على نفسها إن كانت بنتًا أو أُمًّا أو زَوْجَة. وهذا التقسيم يجعلها في بعض الحالات يزيد نصيبها على الذَّكَر أو يتساوى معه عند اختلاف الدرجة.

هذا التدرج يوحي بأن أحكام المواريث ارتبطت، منذ البداية، بمقصد حفظ الحقوق وتحقيق قدر من العدل داخل الواقع الاجتماعي الذي نزلت فيه. ومن هنا تبدو لي مشروعية السؤال قائمة: إذا تغيّر الواقع الاجتماعي جذريا، أفلا يستحق الأمر اجتهادا جديدا يظل وفيا للمقصد القرآني من غير أن يتعامل مع التاريخ وكأنه خارج الزمن؟


ثانيا: المرأة في القرآن

وطالما أننا نتحدث عن تحسين الوضع الاجتماعي للمرأة، فلننظر إلى موقعها في الرؤية القرآنية العامة. فالقرآن يؤكد في مواضع كثيرة كرامة المرأة وأهليتها الدينية والأخلاقية، ويمنع صورا متعددة من ظلمها في الزواج والطلاق والمال والميراث. ويمكن تلخيص هذا الإطار العام في النقاط التالية:

  1. تأكيد متكرر على حماية النساء من الظلم في الحقوق الزوجية، والملكية الشخصية، وحق اختيار الزوج، والطلاق، والميراث.
  2. اشتراك الرجال والنساء في أصل المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية، من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وإنفاق وصدقة.
  3. تقرير واضح للمساواة في أصل التكليف والثواب في الطاعات والعبادات الكبرى.
  4. وجود مواضع يبرز فيها القرآن خصوصية مكانة المرأة أو قوة موقعها الأخلاقي، كما في صورة الأم أو المرأة المؤمنة في بيئة معاندة.
  5. غياب أي تصور قرآني يجعل المرأة، من حيث هي امرأة، كائنا أدنى في الكرامة الإنسانية أو المسؤولية الدينية.

وبالتالي لا يصح عزل آيات الميراث عن هذا الإطار العام. فنموذج الأسرة والإنفاق الذي خاطبه الوحي كان جزءا من واقع اجتماعي معلوم، وجاءت الآيات داخله للحد من الظلم لا لتوسيعه. أما اليوم، وقد تغيّرت أوضاع العمل والملكية والإنفاق تغيّرا عميقا، فإن قراءة آيات الميراث على ضوء هذا التحول تبدو لي قراءة مقاصدية مشروعة، لا إنكارا للنص ولا قفزا عليه.


ثالثا: أربع مقاربات مشروعة للحوار حول الميراث

توجد أربع مقاربات مطروحة في النقاش حول المواريث، أرى أنها تستحق أن تُسمَع وأن تُناقَش بجدية ما دامت تنطلق من سؤال العدالة الاجتماعية في وضع معاصر. وليس معنى ذلك أن نتائجها متساوية أو أن الإشكالات التي تثيرها بسيطة، بل معنى ذلك أن قمع النقاش حولها لا يخدم العلم ولا يخدم الدين. والحوار حولها يقتضي قبل كل شيء إزالة الحاجز النفسي بين النخب الفكرية وتجنب الأحكام المسبقة والاتهامات المتبادلة.

المقاربة الأولى: مقاربة الوصية

ترى أن الوصية في القرآن هي الأصل وآيات الميراث فرع عنه لمن مات ولم يكتب وصية. وهذه مقاربة مطروحة في القراءة القرآنية المعاصرة، ولها ما يدعو إلى مناقشتها بجدية. فحين نتأمل القرآن بآياته كلها، وننزع عن ذهننا فكرة النسخ، سنجد أن الوصية ضرورية وواجبة على كل مسلم بدليل النص القطعي: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ.

والوصية سابقة على الدَّيْن. ثم ما فَضل عن الوصية وإخراج الدَّين يوزع وفق آيات المواريث. وعليه يكون الإرث وفق النص القرآني: أولا توزيع الثروة كما جاء في الوصية، ثانيا إخراج الدَّين، ثالثا تطبيق آية المواريث، رابعا الصدقة لأولي القربى والمساكين.

المقاربة الثانية: المقاربة اللغوية المنطقية

ترى أن الفهم اللغوي والمنطقي لآية الميراث وخصوصا لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ تحمل معاني لغوية صحيحة يمكنها أن تؤدي لإعادة النظر في النسب المشهورة تقليديا. وهذه مقاربة محمد شحرور، ويرى فيها أن لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ تعني أن حظ ولد يساوي حظ الأنثى الأولى يساوي حظ الأنثى الثانية، وأننا في اللغة العربية حين نريد التعبير عن أن للذكر الضعف نقول: لِلذَّكَرِ ضِعْفُ حَظِّ الأُنْثَى.

وهذه أيضا مقاربة مطروحة في النقاش المعاصر، ولها أسئلتها اللغوية والتفسيرية الجدية. وتطرح إشكالين: الأول لغوي يتعلق باستعمالات عبارة “مثلُ حظّ” في اللغة العربية أيام الجاهلية وفي عصر النبوة. والثاني الأهم: هل طُبِّقت هذه الآية في عصر النبوة؟ وإذا طُبِّقت فكيف فهمها النبي وكيف طبّقها؟ وقد بحثت مطوّلا في كتب الحديث ولم أجد حادثة طبّق فيها النبي هذه الآية مع وجود حالة ابن وابنتين. وإنما وجدت حالة ابنتين بلا ابن، وهي قصة الربيع بن سعد، وهذا لا يسعفنا كثيرا في فهم المراد.

المقاربة الثالثة: المقاربة الأصولية المقاصدية

ترى أن أحكام المواريث تُنظر فيها للمقاصد الاجتماعية، وأن آيات المواريث جاءت لتصحيح وضع اجتماعي جاهلي كان يحرم المرأة من الميراث. والأصل أن يقوم الفقهاء بإعمال الاجتهاد حين تتغير أحوال المجتمع.

وإلا فكيف نفسّر قبول أغلب المسلمين بإنفاق المرأة على نفسها وبالمشاركة في الإنفاق على الأسرة، وفي بعض الأحيان تكون هي العائل الوحيد للأسرة، رغم وجود نصوص صريحة في القرآن على وجوب إنفاق الرجل على المرأة؟ ومن هنا يقال: إذا قبل الفقه المعاصر، عمليا، تغيرا واسعا في أدوار الإنفاق داخل الأسرة، أفلا يستدعي ذلك إعادة النظر في بعض تطبيقات الميراث أيضا؟ وهذه هي الجهة التي تتحرك فيها المقاربة المقاصدية عند مفكرين مثل طارق رمضان وعبد الوهاب إرفيقي.

المقاربة الرابعة: المقاربة المدنية السياسية

ترى أن الوضع الجديد الذي خلقه مفهوم المساواة في المواطنة، للمسلمين وغير المسلمين، يستوجب وضع إطار عام يستوعب الجميع. وهذه مقاربة سياسية مدنية تخضع للجدل والتدافع السياسي الديمقراطي.

تونس مثلا دولة مدنية يعيش فيها المسلم المتدين والمسلم غير المتدين، والملحد وأقليات دينية أخرى. وفي الدولة المدنية الأصل أن ننطلق من مبدأ المساواة بين المواطنين بمعنى لا تمييز للرجل على حساب المرأة. ويفترض أن تتم هذه المساواة في الأجر الوظيفي والحصول على الوظيفة والخدمات والميراث وغير ذلك، ثم تبحث الدولة المدنية عن إعطاء كل فرد أو جماعة الاستثناءات التي تحقق حريتها وحقوقها الدينية.

في كندا التي أعيش فيها منذ عشرين سنة، الإطار العام للميراث هو الوصية التي تحدد رغبة المورِّث والتي تصبح نافذة إن وجدت. وعند غيابها يقسّم الميراث بالتساوي بين الورثة. وفي الوصية كل شخص حر في توزيع ميراثه. وللمسلم أن يكتب وصيته بنفس طريقة تقسيم المواريث المعروفة تقليديا. وهذا يسمح قانونيا للمسلم وغير المسلم أن يتخير طريق توزيع ميراثه بما يوافق معتقده الديني.


خاتمة

هذه إذن أربع مقاربات حاضرة في النقاش المعاصر حول الميراث. قد نرجح بعضها ونرفض بعضها، وقد نطلب لها مزيدا من التدقيق، لكن إغلاق باب البحث فيها منذ البداية لا يبدو لي موقفا علميا ولا تربويا سليما، خصوصا أن الملف يتعلق بالمعاملات الاجتماعية وبكيفية تنزيل العدل في واقع متغير.

وهنا تذكير ببعض الآيات التي تمثل قواعد عامة تؤطر وضع المرأة الاجتماعي والديني:

  • وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
  • مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً
  • إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ… أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا

هذه الآيات وغيرها تشكل إطارا عاما قويا في النظر إلى المرأة داخل القرآن: كرامة إنسانية كاملة، ومسؤولية دينية وأخلاقية أصيلة، وحقوق لا يجوز إهدارها باسم العرف أو القراءة الجامدة.

أظن أن النضج في ملف الميراث يبدأ حين نعترف بأن المجال أوسع من ثنائية الحلال والحرام في صورتها الشعبوية السريعة. هناك نص، وهناك تاريخ، وهناك مقاصد، وهناك مجتمع يتغير، وهناك اجتهادات متعددة يمكن أن تتحاور بدل أن تتكافر. وإذا استطعنا أن نبني هذا المناخ، سنكون قد قدمنا خدمة حقيقية للدين وللمجتمع معا: أن نخرج النقاش من منطق التخوين إلى منطق البحث.