نقل أحد الأصدقاء الباحثين عن الدكتور أبي يعرب المرزوقي، على هامش مؤتمر فكري عُقد بدمشق سنة 2002، قوله: «لا يستطيع أحد أن يفهم القرآن كالفيلسوف». فالفيلسوف، من هذا المنظور، هو الأقدر على امتلاك منهجية التأويل الحقيقية، لأن الرؤية الفلسفية وحدها ـ في تقدير صاحبها ـ تمكّن من الإمساك بالمعنى في عمقه، بينما يظل تراث الشيوخ واللاهوتيين عاجزًا عن ذلك، لأنهم يشتغلون داخل أفق عقدي مغلق لا يتيح لهم النفاذ الحر إلى المعنى.
وفي سياق قريب من هذا، نجد عند محمد أركون وبعض الحداثيين العرب نزعة أخرى ترى أن العلوم الاجتماعية واللسانية هي الأداة الأساسية، وربما الوحيدة، لفهم القرآن فهمًا معاصرًا. بل إن هذا الفهم، في نظرهم، لا يتحقق إلا عبر قطيعة جذرية مع التراث ومنظومته المعرفية. فالتراث هنا ليس مرجعًا، بل هو العائق الذي يحول دون التحرر من الأفق العقدي المغلق. ومن لا يتقن هذه الأدوات، فإنه يقرأ النص من داخل سجن تاريخي لا يدري عنه شيئًا.
وفي مقابل هؤلاء، نجد من يرى أن الدرس النحوي والمعجمي هو المدخل الأوثق لفهم القرآن. ويبرز هنا اسم الدكتور فاضل صالح السامرائي، الذي يجعل من النحو والمعجم والبلاغة الأدوات المركزية لفهم النص القرآني، ويرى أن كثيرًا من الأدوات الأخرى ليست ضرورية إلا من باب التوسع أو الاستفادة الجانبية. فمن لا يُحسن العربية في أعماقها، فإنه يُحسن في أحسن الأحوال قراءة الترجمة لا النص.
وكذلك الشأن عند كثير من المنتسبين إلى منهج المحدّثين، الذين يرون أن فهم القرآن لا يتحقق على وجهه الصحيح إلا من خلال أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرته، وآثار الصحابة والتابعين. أما الرأي، فيبقى عندهم موضع ريبة، أو لا يقبل منه إلا ما انضبط انضباطًا شديدًا بما نُقل. فمن لا يتقن صناعة الحديث ودراية الرجال وفقه الأثر، فإنه ليس أهلًا للاجتهاد في التفسير.
أما دارسو الفقه وأصوله، فكثيرًا ما يتجه اهتمامهم إلى آيات الأحكام بالدرجة الأولى، بينما تُحال بقية الآيات إلى مجالات أخرى: العقدي منها إلى المتكلمين، والأخلاقي إلى الوعاظ والمربين، والتفسيري العام إلى المفسرين. فيبدو القرآن، في هذه المقاربة، وكأن مركزه الحقيقي هو المجال التشريعي، وكأن بقية أبعاده معلّقة في انتظار من يُنظّمها ضمن منظومة الفقه.
ويرى بعض الباحثين، في ضوء هذا كله، أن القادرين حقًا على فهم القرآن هم فقط أولئك الذين يجمعون بين المعرفة الشرعية التراثية الرصينة والاستفادة المنهجية من المعرفة الحديثة، أي المتخصصون في الدراسات الشرعية على وجه مخصوص. أما غيرهم، فإما أن تكون أدواتهم ناقصة، أو أن يكونوا عرضة للزلل والانزياح عن المعنى الصحيح.
الاحتكار بوصفه ظاهرة أعمق من الجدل المنهجي
لكن الذي يلفت النظر في هذا الجدل كله، هو أنه يعكس شيئًا أعمق من مجرد اختلاف في المناهج؛ إنه يعكس روح المصادرة المتجذرة في العقلية الإسلامية في أكثر من مجال: في الفقه، وفي العقيدة، وفي التفسير، وفي الانتماءات المذهبية، وفي تصورات مثل الفرقة الناجية والطائفة المنصورة وغيرها.
فكل فريق لا يكتفي بالدفاع عن أدواته، بل يميل إلى مصادرة الحق، واعتبار نفسه الجهة الوحيدة التي تملك المفاتيح الصحيحة للمعنى. ولا يعود السؤال حينئذ: ما الأدوات الأقدر على فهم القرآن؟ بل يصبح: من يملك حق احتكار الفهم؟
وهنا يبرز سؤال أبسط، ولكنه أكثر جوهرية: أين موقع المسلم العادي من هذه المعركة؟ أهو مجرد تابع لهذا الفريق أو ذاك؟ أم مطالب بالاصطفاف وراء مدرسة ضد أخرى؟ أم متفرج على صراع النخب حول «حق الفهم»؟ وأين نصيبه هو من القرآن نفسه، وسط هذا التنازع على الأدوات والمفاتيح والمرجعيات؟
ثم لفائدة من يتصارع هؤلاء أصلًا؟ هل هو صراع من أجل الحقيقة؟ أم من أجل النفوذ الرمزي؟ أم من أجل ترسيخ مواقع الاختصاص والسلطة داخل المجال الديني والثقافي؟ وهل الغاية خدمة القرآن، أم خدمة مواقع المتكلمين باسمه؟
الخروج من عقلية المصادرة
في تقديري، لا يمكن معالجة هذه المشكلة إلا بالخروج من عقلية المصادرة. فأول ما ينبغي الإقرار به هو أن احتكار حق الفهم وهم، وأن أي طرف مهما اشتد اقتناعه بأحقيته المطلقة، فلن ينجح في إقناع جميع مخالفيه بالتنازل له عن هذا الحق. وحتى لو رفع شعار الاحتكار، فإن الآخرين سيواصلون القراءة والتأويل والاستنباط من جهتهم.
ثم إن التعامل مع القرآن، بل ومع السنة أيضًا، لا يشبه التعامل مع نص بسيط محدود الطبقات، بل هو أقرب إلى الغوص في بحر واسع شديد العمق. ولكل منطقة من هذا البحر عمقها، ولكل عمق أدواته، ولكل موضع درره ومحاراته. ولا يمكن لغواص واحد، مهما بلغت خبرته، أن يزعم امتلاك جميع المهارات اللازمة للغوص في كل الأعماق، وفي كل الاتجاهات، وبالنجاعة نفسها.
قد يحسن أحدهم النزول إلى عمق معين، لكنه يعجز عن عمق آخر. وقد يبلغ أحدهم موضع الدرر، لكنه لا يحسن استخراجها. وقد يحسن آخر الاستخراج، لكنه لا يملك لغة العرض الجيد للناس. وقد يتقن ثالث أداة من الأدوات، لكنه يظل عاجزًا عن إدراك ما تكشفه أدوات أخرى مكمّلة.
ولهذا فإن الحل، في نظري، لا يكمن في أن ينتصر تخصص على سائر التخصصات، ولا في أن يعلن أحدها نفسه وصيًا على القرآن، بل في أن يعترف كل تخصص بحدوده، وبأن أدواته ـ مهما بلغت دقتها ـ لا تكفي وحدها للقيام بالمهمة كاملة:
- النحو ضروري، لكنه لا يكفي.
- والبلاغة ضرورية، لكنها لا تكفي.
- والحديث ضروري، لكنه لا يكفي.
- وأصول الفقه ضرورية، لكنها لا تكفي.
- والفلسفة قد تفتح أفقًا، لكنها لا تكفي.
- والعلوم الاجتماعية قد تكشف سياقات ومعاني، لكنها لا تكفي.
ففهم القرآن عمل مركب، يحتاج إلى عقلية تكاملية لا إلى عقلية إقصائية، وإلى تعاون بين التخصصات لا إلى صراع على السيادة الرمزية. ولعل أول خطوة في هذا الطريق هي أن نتواضع أمام النص، بدل أن نتعالى عليه بأدواتنا، وأن ندرك أن القرآن أكبر من أن يُختزل في منهج واحد، أو يُحتكر من فئة واحدة، أو يُصادر لصالح مدرسة دون أخرى.
إن المشكلة، في النهاية، ليست في تعدد المناهج، بل في تحويل المنهج إلى هوية مغلقة، وتحويل الأداة إلى سلطة، وتحويل الاجتهاد إلى احتكار. أما إذا انتقلنا من روح المصادرة إلى روح التعاون، فقد يصبح اختلاف التخصصات مصدر غنى، لا سببًا في النزاع العقيم.