السياق: هل ينبغي للغنوشي أن يناظر؟
قرأت لأحد الأصدقاء في الفايسبوك تعليقا على مناظرة راشد الغنوشي ونايلة السليني، يقول فيه: ليس من الحكمة قبول دعوات المناظرات، ما وقع إلى حد الآن يكفي. وجود مفكر بوزن الشيخ راشد في مناظرة مع من لا يضاهيه لا فكرا ولا وقارا ولا أخلاقا ولا تجربة ليس في صالحه ولا في صالح النهضة ولا في صالح تونس، وإن تبين للناس تفاهة خصومه عبر المناظرات.
لماذا المناظرات ضرورية؟
بالعكس، أعتقد أن هذه اللقاءات ضرورية ومفيدة لأنها تساعد على تفكيك الشبهات والتقليل من حدة المخاوف. والعبرة ليست بمقارنة مستوى المتناظرين ولا بمسألة الوقار والأخلاق. وأنا أرفض قطعيا تضخيم شخص وتقزيم آخر، أو اتهام خطاب فكري موجود بالتفاهة مهما كان الاختلاف معه.
المناظرات تؤدي وظيفة معرفية لا غنى عنها: فهي تساعد في إيضاح الأخطاء أو المغالطات المنطقية أو الثغرات في الخطاب والخطاب المخالف. وحين يقف طرفان متباينان أمام الجمهور، يتاح للمشاهد أن يقارن بين الحجج ويزنها بميزان العقل، بدل أن يتلقى رواية واحدة من طرف واحد.
رفض منطق التضخيم والتقزيم
إن الموقف الذي يرى في المناظرة إهانة للطرف الأقوى يقوم على مغالطة ضمنية، وهي أن قيمة الفكرة تُقاس بمكانة صاحبها لا بمتانة حجتها. وهذا مخالف لأبسط قواعد الحوار العقلاني. فالنبي صلى الله عليه وسلم حاور كفار قريش وسمع منهم وأجابهم، ولم يعتبر الحوار مع من يخالفه انتقاصا من مقامه.
والتاريخ الإسلامي حافل بمناظرات بين علماء ومفكرين من مستويات مختلفة، وكان ذلك دليل ثقة بالحجة لا ضعف في الموقف. إن رفض المناظرة ليس حماية للمفكر الكبير، بل هو في حقيقته حرمان للجمهور من فرصة الفهم والتمييز.
أبعد من المناظرة: تعدد أدوات الحوار
وطبعا: الحل لتجسير العلاقة بين الإسلاميين وغيرهم لا يكمن فقط في تنظيم مثل هذه المناظرات، بل يجب اعتماد وسائل مختلفة في الخطاب والردود والحوار.
فالمناظرة التلفزيونية أداة واحدة ضمن أدوات كثيرة: من الكتابة الفكرية المعمقة، إلى الحوارات الثنائية الهادئة، إلى الندوات الأكاديمية، إلى العمل الميداني المشترك الذي يُظهر القيم قبل أن يُنظّر لها. المهم ألا يُغلق باب الحوار بدعوى حماية هيبة طرف من الأطراف، لأن الهيبة الحقيقية تنبع من قوة الفكرة وصدق الممارسة، لا من الانسحاب إلى برج عاجي يرفض النزول إلى ساحة الحوار.