لماذا لا أقبل التضامن القسري مع جرائم لم أرتكبها؟
من أكثر ما يُرهق المسلم المقيم في الغرب، وما ينطوي على إجحاف واضح، أنه بعد كل عمل عنيف يرتكبه شخص يدّعي الإسلام — في باريس أو لندن أو مونتريال أو غيرها — يُساق أحيانا بصورة تلقائية إلى موقع المتهم الرمزي قبل أن يتكلم وقبل أن يُسأل. يُطلب منه أن يعلّق، وأن يعتذر، وأن يدين، وكأن بينه وبين الجاني رابطة مسؤولية أخلاقية موروثة لمجرد الاشتراك في الاسم الديني. وهذا في نظري منطق غير عادل من أساسه ويتناقض مع أبسط مبادئ العدل الفردي.
أتحدث عن هذا من موقع حياتي اليومي في كندا. فأنا أعيش هنا منذ أكثر من ثلاثين سنة، وأعمل إماما وخطيبا في مساجدها، وأتفاعل يوميا مع مواطنين كنديين من كل الخلفيات. وبعد كل حادثة إرهابية تقع في أي مكان من العالم، أُلاحظ ذلك التوقع الضمني — أحيانا المُعلَن — بأن المسلم المحيط بك يحتاج إلى أن يُثبت براءته. وهذا التوقع هو ما أرفضه من حيث مبدؤه.
لا مسؤولية جماعية في الجريمة
أنا لا أشعر بأي التزام أخلاقي بأن أشرح أفعال أشخاص لا أعرفهم، ولم أشاركهم فهما دينيا ولا انتماء تنظيميا ولا مشروعا فكريا. فهمي للإسلام وفهمهم متناقضان تناقضا جذريا. اشتراكنا في كلمة “الإسلام” لا يجعلني شريكا في جريمتهم، تماما كما لا يجعل أي يهودي كندي مسؤولا تلقائيا عن كل ما يرتكبه قادة سياسيون في إسرائيل، ولا يجعل أي مسيحي كندي مسؤولا عن كل عنف ارتكب تاريخيا أو حاضرا باسم المسيحية. إذا لم نقبل هذا المنطق على الجميع وبالتساوي، فلا يجوز فرضه على المسلمين وحدهم. وأي تطبيق انتقائي له هو بحد ذاته شكل من التمييز.
والمبدأ الجوهري هنا بسيط: المسؤولية الجنائية والأخلاقية فردية لا جماعية. هذا مبدأ ديني إسلامي صريح — ولا تزر وازرة وزر أخرى — وهو في الوقت نفسه مبدأ قانوني راسخ في كل المنظومات القانونية الحديثة. لا يُحاكَم أحد بجريمة أخيه، فكيف يُطالَب بالاعتذار عنها؟
الاختزال الهوياتي: ظلم مضاعف
هذا النوع من التوقعات لا يكتفي بوضع المسلم في خانة الشبهة، بل يرتكب ظلما أعمق: يختزل هويته كلها في بُعد واحد هو الانتماء الديني، ويُلغي كل ما عداه من تجربة وتاريخ وشخصية واجتهاد وموقف فكري خاص.
أنا لست “مسلما” بالمعنى الكتلوي المجرد الذي يُقصد به حين يُقال “المسلمون”. أنا محمد بن جماعة، تونسي كندي، عمل إماما وباحثا وكاتبا لعقود، وله موقف فكري واضح ومعلوم في نقد التطرف والإرهاب. حين يُطلب مني الاعتذار عن جريمة لم أرتكبها ولا أشاركها لا في الفكر ولا في السلوك، يصبح الفرد مجرد حامل لاسم ديني يُستدعى كلما وقع حادث. وهذا شكل من أشكال العنف الرمزي لأنه يُلغي الفردانية الأخلاقية ويُحل محلها الانتماء الهوياتي الجماعي.
وما يُضاعف الظلم أن هذا الاختزال يعمل باتجاه واحد فقط. حين يرتكب يميني متطرف أوروبي جريمة إرهابية — وهو ما يحدث بكثرة — لا يُطالَب الرجل الأبيض المسيحي المجاور بأن يُدين ويعتذر ويُبرئ نفسه. ولا يُطالَب الملحد بالتبرؤ من جرائم ملحدين أشرار. هذا الانتقاء هو ما يكشف أن الأمر ليس تطبيقا لمبدأ عام بل تطبيقا انتقائيا يستهدف فئة بعينها.
من حقك أن ترفض الدور المفروض عليك
الرفض الذي أتحدث عنه ليس رفضا لإدانة العنف والإرهاب. أنا أُدين العنف بكل أشكاله ومن كل مصادره بشكل صريح وعلني ومستمر، لا لأن أحدا يطلب مني ذلك بل لأنه موقفي الأخلاقي والديني الحقيقي. ما أرفضه هو شيء آخر تماما: أن تتحول هذه الإدانة إلى طقس ولاء مُتكرر يُطلب من فئة بعينها كي تُثبت براءتها واندماجها وصلاحيتها للحضور في الفضاء العام.
الفرق بين الأمرين حاسم. الإدانة الأخلاقية الحرة صادرة عن قناعة ومبدأ. أما طقس البراءة المطلوب فهو إذعان لمنطق اتهامي يفترض الذنب مسبقا ويطلب إثبات العكس. والفرد الذي يُجبَر على إثبات براءته باستمرار يعيش في حالة محاكمة دائمة لم يختَرها ولم يستحقها.
ولهذا أقول: من حقي بل من واجبي أن أرفض هذا الدور المفروض. لا لأنني أتعاطف مع المجرمين، بل لأنني أرفض القاعدة المختلة التي تجعل الإنسان متهما بجريمة غيره إلى أن يُثبت براءته. هذه القاعدة مرفوضة حين تُطبَّق على أي فئة كانت، وهي بالقدر نفسه مرفوضة حين تُطبَّق على المسلمين.
خاتمة
العيش المشترك الحقيقي لا يقوم على تحميل الناس ذنوب جماعات متخيلة ولا على مطالبة مجموعات بأكملها بإثبات براءتها باستمرار. يقوم على مساءلة الأفراد الفاعلين الحقيقيين بالقانون والعدالة، وعلى احترام فردانية كل إنسان بمعزل عن انتمائه الديني أو الإثني.
وكل مجتمع يصر على مطالبة فئة معينة بالاعتذار الدائم عن أفعال لا تخصها يزرع داخل أبناء تلك الفئة شعورا بالاغتراب والاستبعاد، لا بالاندماج والانتماء. وهذا بالضبط ما يُعيق بناء مجتمعات تعددية صحيحة: ليس التعدد بحد ذاته، بل ثقافة الشك والمحاكمة الجماعية الضمنية التي تجعل بعض المواطنين يشعرون أنهم دائما في موقع المتهم الذي يجب أن يُثبت أنه يستحق أن يُقبل.
رفض المسؤولية الجماعية المفروضة ليس موقفا دفاعيا انعزاليا. هو دفاع عن مبدأ العدل الفردي الذي يجب أن يسري على الجميع بالتساوي، وعن حق كل إنسان في أن يُحاكَم بما فعل هو لا بما فعله غيره.