لو أمكننا تلخيص كل مشاكل وأزمات العلاقات الإنسانية في مستوياتها المختلفة — بين الأزواج والأشقاء والأصدقاء وزملاء العمل وبين الرؤساء والمرؤوسين وبين السياسيين والمواطنين — فربما لا نجد تلخيصا أدق وأشمل من كلمتين: الثقة والحب.
الحياة الاجتماعية كلها قائمة على عامل الثقة. الطفل منذ لحظة ولادته لا يستطيع الحياة لولا ثقته المطلقة في أمه وأبيه ومن حوله — ثقة لم يختَرها ولم يكتسبها بل ورثها كشرط أساسي للبقاء. والمواطن لا يستطيع أن يُسهم بفاعلية في مجتمعه إذا فقد الثقة في مؤسساته. وحين تغيب الثقة، لا يحلّ محلها القانون ولا الخوف بصورة كافية — يحلّ محلها الحذر الدفاعي الذي يستنزف الطاقة ويُعطّل كل تعاون حقيقي.
الثقة: بنيان متعدد المستويات
يُميّز ستيفن كوفي في كتابه “The Speed of Trust” بين خمسة مستويات للثقة في المجتمع، وهو تصنيف أجده بالغ الدقة:
المستوى الأول — الثقة بالنفس: أي الثقة في قدرتك على الوفاء بما تلتزم به وتكون من أنت تدّعي أنك. هذا أساس كل ثقة أخرى. من لا يثق بنفسه يُصعّب على الآخرين أن يثقوا به، ويُعطي إشارات غير واعية تولّد الشك.
المستوى الثاني — الثقة في العلاقات الثنائية: بين الزوجين، بين الصديقين، بين المدير والموظف. هذا المستوى يتغذى على المستوى الأول ويُغذّي ما فوقه.
المستوى الثالث — الثقة في المجموعة والمؤسسة: ثقة الفريق في قيادته وفي بعضه. مؤسسة فيها ثقة عالية تعمل بسرعة وكفاءة أكبر بكثير من مؤسسة منخفضة الثقة حتى وإن اعتمدت الأولى تقنيات أقل تطورا.
المستوى الرابع — الثقة في السوق والمؤسسات العامة: ثقة المواطن في الإدارة والقضاء والإعلام. حين تنهار هذه الثقة، يدفع المجتمع كله ثمنا باهظا في شكل تكاليف مضاعفة للتعاقد والرقابة والتحقق.
المستوى الخامس — الثقة المجتمعية الشاملة: المناخ العام الذي يُحدد هل يُعامل الغريب بشك افتراضي أو بحسن نية افتراضي. المجتمعات عالية الثقة — كما في الدول الإسكندنافية وكندا — تُنتج رأس مال اجتماعيا هائلا يُترجَم مباشرة إلى تنمية ورفاه.
أربعة أسس تبني الثقة أو تهدمها
كوفي يُحدد أربعة أسس تبني الثقة أو تُهدمها حين تغيب:
النزاهة: التطابق بين القيم المُعلنة والسلوك الفعلي. من يقول شيئا ويفعل آخر، أو يطبّق مبادئه انتقائيا حسب المصلحة، يفقد مصداقيته ببطء لكن بصورة شبه دائمة.
النية: الاهتمام الحقيقي بمصلحة الآخرين لا مجرد الاستثمار في الثقة لغايات ذاتية. الناس يشعرون بالفرق بين من يهتم بهم فعلا ومن يُقدّم الاهتمام بوصفه استراتيجية.
الكفاءة: لا تكفي النزاهة والنية الحسنة وحدهما. الشخص المخلص الذي لا يُحسن عمله يُضرّ بمن يثق فيه كما يضرّ بهم الشخص الكفء غير الأمين. الثقة تحتاج الاثنين معا.
النتائج: السجل الموثّق من الإنجازات الفعلية. الكلام عن النية والكفاءة لا يُغني عن الأثر الملموس. ومن يُعطي وعودا كثيرة ويُنجز قليلا يستنزف رصيد الثقة حتى ينضب.
الحب كمحرّك للخدمة الحقيقية
ألفريد أدلر، عالم النفس النمساوي، يرى في كتابه “معنى الحياة” أن الأفراد الذين يُنجحون مجتمعاتهم ويُحقّقون معنى حياتهم الشخصية في آن واحد، هم أولئك الذين طوّروا “مشاعر مجتمعية” حقيقية — رغبة فعلية في رفعة الآخرين ورفاههم، لا مجرد أداء واجب أو تحصيل منفعة شخصية.
وسكوت بيك في كتابه “الطريق الأقل سلوكا” يُعرّف الحب تعريفا يُلفت النظر: هو إرادة توسيع نفسك من أجل تنمية نمو الآخر وسلامته الروحية. ليس شعورا عاطفيا عارضا بل إرادة واعية وفعل مستدام.
والقرآن يُعبّر عن هذا بمفهوم الإيثار: ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (الحشر: 9). وبمفهوم التعاون: وتعاونوا على البر والتقوى (المائدة: 2). الفارق العميق هو أن الموظف الذي يُقدّم الخدمة من منطق الواجب يُعطيك ما في التعريف. أما من يُقدّمها من منطق الاهتمام الحقيقي فيُعطيك ما تحتاجه حتى حين لا تعرف أنك تحتاجه.
النبي كنموذج: الأمين قبل النبي
ما يُلفت النظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كسب لقب “الأمين” قبل البعثة النبوية بسنوات طويلة. المكيون — ومنهم أعداء لاحقون للدعوة — لم يمنحوه هذا اللقب لأنه كان نبيا، ولم يمنحوه إياه من خلال خطاب بل من خلال تراكم صامت لوقائع: وعد لم يُخلَف، وأمانة لم تُخَن، واتساق بين ما يقوله وما يفعله في البيع والشراء والعلاقات اليومية.
هذه الحقيقة ذات دلالة عميقة لأي قائد أو صاحب مسؤولية: الثقة لا تُبنى بالإعلانات والخطب، بل بالتراكم الصامت لوقائع صغيرة يلاحظها الناس قبل أن يُصنّفوها. ومن يريد أن يكون موثوقا في محيطه — في أسرته أو عمله أو مجتمعه — عليه أن يبدأ بهذا التراكم الصغير لا بالمطالبة باعتراف الآخرين.
الأزمة التونسية: تشخيص من زاوية الثقة
لو نظرنا إلى الأزمة التونسية المزمنة بعيون هذا الإطار، لرأينا أنها في جوهرها أزمة ثقة متعددة المستويات متراكمة على مدى عقود.
لا ثقة كافية بين المواطن والسياسي — لأن وعود الانتخابات نادرا ما تتحول إلى نتائج، وتراكمت خيبات الأمل جيلا بعد جيل. ولا ثقة بين المؤسسات وبعضها — فكل جهاز يشتغل كجزيرة أو كمنافس لا كشريك في فريق واحد. ولا ثقة واسعة في القضاء — لأن الاستقلالية ليست مضمونة في الوعي الشعبي وأحيانا في الواقع. ولا ثقة في الإعلام — لأن كثيرا منه يُعامَل بوصفه بوقا لجهة لا مرجعا للحقيقة.
وهذه الأزمة متعددة المستويات لا يمكن إصلاحها بقرارات إدارية أو مراسيم قانونية وحدها. يستلزم الإصلاح بناء الثقة خطوة خطوة عبر سلوكيات يومية موثّقة ومتراكمة: مسؤول يفي بما وعد، ومؤسسة تُعلن نتائجها بشفافية ولو كانت سلبية، وقاضٍ يُصدر حكمه مستندا إلى القانون لا إلى الهاتف، وإعلامي يُصحح خطأه علنا ولا يخشى إغضاب موّله.
خاتمة
الثقة ليست سمة شخصية جميلة يُحسَب للإنسان امتلاكها. هي البنية التحتية الخفية للمجتمع. المجتمعات منخفضة الثقة تدفع ثمنا ماديا ملموسا: كل معاملة تستلزم ضمانات إضافية، وكل تعاون يحتاج مراقبة مكثفة، وكل استثمار يُضمّن هامشا للفساد المتوقع. وكل هذه التكاليف تُقلّص الكفاءة وتُثبّط الطموح وتُهجّر الكفاءات التي تجد في مكان آخر بيئة ثقة أعلى.
وبناء الثقة ليس مشروع خطاب يبدأ بمؤتمر وينتهي ببيان. هو مشروع سلوك يومي متراكم، يبدأ بالفرد في علاقاته الأقرب ويمتد بالتدريج إلى المؤسسة ثم إلى المجتمع. ولا طريق مختصر.