قوة الخطاب الجهادي السلفي لا تأتي من قوة حججه الفكرية — هي في الواقع ضعيفة منهجيا عند الفحص الجاد. تأتي من شيء آخر أخطر وأصعب مواجهة: توظيف مفاهيم إسلامية أصيلة وتحميلها معاني مُقتطَعة من سياقها لخدمة أجندة عنيفة. بكلام آخر: قوته مستعارة من القرآن نفسه، لكنه يُعيد توظيفه بطريقة تُخالف القرآن جذريا.
هذا ما يجعل الرد على هذا الخطاب بالإدانة العاطفية وحدها غير كافٍ. لأن المستمع الذي يسمع الإدانة يسمع أيضا توظيف الآيات والأحاديث، ولا يملك في الغالب أدوات التمييز بين التوظيف الصحيح والمزوَّر. ولهذا يحتاج الأمر إلى تفكيك منهجي لآلية الاختطاف المفاهيمي ذاتها قبل أي رد جزئي.
ثلاثة محاور يبنيها الخطاب الجهادي
يُركّز الخطاب الجهادي التحريضي على ثلاثة أبعاد متشابكة تجعله شديد الجاذبية لمن يحمل مظالم حقيقية:
البُعد الديني: المقدسات المهددة، والإسلام في خطر، والواجب الديني نحو الأمة. وهذا البُعد يستهدف الانتماء العقدي ويُقدّم العنف بوصفه فرضا دينيا لا خيارا.
البُعد السياسي: الاحتلال والاستعمار والهيمنة الخارجية. ومظالم هذا البُعد في أغلبها حقيقية لا مختلَقة — وهذا ما يجعل الخطاب مقنعا للشباب الذي يرى فعلا ظلما واضحا.
البُعد الاقتصادي: نهب الثروات والنفط والموارد. وهنا أيضا بعض المظالم حقيقية مما يُضفي على الخطاب كله مصداقية مزيفة.
أنواع المفاهيم المختطفة: تصنيف
يمكن تصنيف كثير من المفاهيم التي يوظّفها هذا الخطاب في خمس فئات كبرى:
أولا: مفاهيم الهوية والتصنيف
الفرقة الناجية، الطائفة المنصورة، أهل السنة والجماعة، الولاء والبراء، الذمة، المعاهدة، المستأمن.
هذه مفاهيم ذات أصل شرعي تاريخي تطورت في سياقات سياسية ودينية محددة. لكنها تُوظَّف اليوم لرسم حدود جامدة بين “داخل الإسلام الصحيح” و”خارجه”، وتُتيح تكفير كل من يختلف ولو في مسائل اجتهادية. وتحت مفهوم “الولاء والبراء” تُسوَّغ قطيعة اجتماعية كاملة مع كل من لا ينتمي إلى نفس التيار.
ثانيا: مفاهيم الحكم والشرعية السياسية
الخلافة، الجاهلية، الحاكمية، الطاغوت، دار الإسلام، دار الحرب، الجزية، الهجرة.
هذه المفاهيم مُختطَفة بالكامل من سياقاتها الفقهية الكلاسيكية المعقدة وتُلقى بصورة مبسّطة كحكم مطلق على الواقع السياسي الراهن. “الحاكمية” مثلا قضية فلسفية وفقهية عميقة في الفكر الإسلامي، لكنها تُوظَّف بمعنى: كل دولة لا تحكم بتفسيرهم للشريعة هي دولة جاهلية كافرة تجب محاربتها.
ثالثا: مفاهيم الجهاد والقتال
الجهاد، الشهادة، النفير، الفيء، الغنيمة، الإمارة، البيعة.
هذه هي المفاهيم الأكثر توظيفا والأشد خطورة. الجهاد في الفقه الكلاسيكي له شروط صارمة متعددة — إذن إمام الدولة، ووجود عدوان حقيقي، والتناسب، والحفاظ على غير المقاتلين، والنظر في المصلحة. كل هذه الشروط تُلغى في الخطاب الجهادي الذي يجعل الجهاد فرضا فرديا لا يحتاج إذنا من أحد.
رابعا: مفاهيم التكفير والعقوبة
التكفير، الردة، الحدود، الاستتابة، الدم المهدر، الذنب المبيح.
توظيف هذه المفاهيم خارج منظومة الضمانات الفقهية والقضائية الكلاسيكية التي تُقيّدها هو ما يُنتج الإرهاب التكفيري. الفقه الكلاسيكي نفسه — رغم ما فيه من إشكاليات — وضع قيودا صارمة على التكفير وعلى تطبيق العقوبات تجعل توظيفه الجهادي انتهاكا للفقه قبل أن يكون انتهاكا للأخلاق.
خامسا: مفاهيم الدعوة والتربية
الإعداد، التمكين، مرحلة الاستضعاف، مرحلة المجاهرة، مرحلة الجهاد.
هذا التصنيف المراحلي المستوحى جزئيا من قراءة مبسّطة للسيرة النبوية يُقدّم العنف بوصفه مرحلة “طبيعية” في مسار الدعوة الإسلامية، يُصبح واجبا حين تتهيأ الظروف. وهذا يُحوّل الإرهاب من جريمة إلى استراتيجية.
آلية الاختطاف: ثلاث خطوات
الاختطاف المفاهيمي لا يعمل عشوائيا. له آلية واضحة تتكرر:
الخطوة الأولى — العزل: يُؤخذ المفهوم من شبكة العلاقات التي يشتغل ضمنها في المنظومة القرآنية والفقهية. الجهاد لا يُفهم بمعزل عن العدل والرحمة والحكمة والمصلحة والنهي عن الفساد في الأرض. فحين يُعزَل عن هذه الشبكة يصبح مطلقا لا يُقيّده شيء.
الخطوة الثانية — التعميم: بعد العزل يصبح المفهوم ينطبق على كل حال وكل زمان بلا تخصيص ولا شروط. “الجهاد واجب” يصبح قاعدة شاملة لا قيد لها ولا سياق يُحددها.
الخطوة الثالثة — إعادة التطبيق: المفهوم المُطلَق يُسقَط على واقع اختاره الخطاب مسبقا وفق أجندته: “هذه الدولة طاغوت”، “هؤلاء كفار”، “هذه أرض جاهلية”. وبهذا تكتمل الدائرة: مفهوم أصيل + تجريد من سياقه + إسقاط على واقع مُنتقى = فتوى بالقتل.
لماذا الرد الجزئي لا يكفي؟
الخطأ الذي يرتكبه كثير من ردود العلماء والمثقفين على الإرهاب هو أنها تُفنّد مفهوما واحدا بينما الخطاب الجهادي يُحكم شبكة المفاهيم كلها. ترد على “ليس هذا جهادا” فيُجيب بـ”لكنهم يحكمون بغير ما أنزل الله”. ترد على ذلك فيُجيب بـ”من والى الكافرين فقد كفر”. ترد فيُجيب بـ”الصمت على الباطل كفر”. الشبكة تُمسك الفرد من كل الجهات.
ولهذا الرد الصحيح يجب أن يكون على مستوى المنظومة القرآنية كاملة. أن يُعيد بناء شبكة المفاهيم في علاقتها المتكاملة: الجهاد لا يُفهم بدون العدل والرحمة والمصلحة. والحاكمية لا تُفهم بدون الشورى والمساءلة. والكفر والإيمان لا يُحسمان بفتوى فرد بل بشروط دقيقة تاريخيا ولاهوتيا.
الرد المزدوج: اللاهوتي والاجتماعي
الرد اللاهوتي وحده — رغم ضرورته — غير كافٍ. الشباب الذي ينجذب إلى هذا الخطاب لا ينجذب إليه في الغالب لأسباب دينية بحتة، بل لأسباب نفسية واجتماعية: شعور بالظلم والإهانة، وبحث عن معنى وهوية في عالم يبدو فيه الإنسان حيرانا، ورغبة في الانتماء إلى جماعة متماسكة، وحاجة إلى الفاعلية والشعور بأنه يصنع شيئا ذا معنى.
ولهذا يجب أن يُكمل الرد الاجتماعي الرد اللاهوتي: معالجة المظالم الحقيقية التي يستغلها الخطاب بدل إنكارها، وتوفير بدائل حقيقية للانتماء والفاعلية والمعنى خارج البنية الجهادية، وبناء بيئات شبابية تُعطي الإنسان كرامته وصوته ومكانه دون أن يحتاج إلى إثباتها بالعنف.
خاتمة
الخمسون مفهوما التي يختطفها الخطاب الجهادي ليست بالضرورة باطلة في أصولها — هي أحيانا مفاهيم قرآنية وفقهية راسخة. خطورتها تأتي من الاستخدام لا من الأصل، ومن العزل عن الشبكة لا من الوجود المنفرد. وواجب العالم الديني الحقيقي والمثقف الإسلامي المسؤول هو إعادة هذه المفاهيم إلى سياقها الصحيح وإلى شبكاتها الدلالية الأصلية، وإظهار كيف أن المنظومة القرآنية الكاملة تُفنّد بنفسها كل قراءة تختزلها في بُعد واحد مبتور.
هذا العمل الفكري ليس ترفا أكاديميا. هو خط الدفاع الأول في مواجهة أيديولوجيا أخذت من ديننا أسلحة تُقاتلنا بها.