كلما اندلعت حرائق كبرى، أو وقعت فيضانات مدمرة، أو زلازل مهولة في مكان ما من العالم، سرعان ما تمتلئ الشبكات الاجتماعية بتعليقات تُفسّر ما جرى بوصفه عقابا إلهيا مباشرا. “هذا جزاء ما يفعلونه”، “الله يُنزّل بهم ما يستحقون”، “انظروا كيف يُعاقَب الظالمون”. هذا النمط في التفسير تكرر مع حرائق كاليفورنيا وغيرها، وهو ما يدعوني إلى التوقف عند أصل الفكرة لا عند حادثة بعينها.
أقف عند هذا النوع من التعليقات لا لأن مصدره خبث أو حقد، بل لأن مصدره في الغالب غيرة دينية حقيقية وغياب عن تأمل ما يقوله القرآن فعلا في هذه المسألة. وبين الغيرة والتأمل مسافة يجب أن نقطعها.
الموقف الأول: الظاهرة الطبيعية وسنّة الله
القرآن يُؤسّس بوضوح لفكرة أن العالم الطبيعي يسير وفق قوانين ثابتة أودعها الله في الكون. وجعلنا من الماء كل شيء حي (الأنبياء: 30)، والسماء رفعها ووضع الميزان (الرحمن: 7). الكون لا يعمل بصورة عشوائية بل بنظام.
الحرائق المتكررة في كاليفورنيا ليست ظاهرة مفاجئة بل نتيجة لعوامل بيئية ومناخية موثّقة: الجفاف الممتد، وارتفاع درجات الحرارة، ورياح سانتا آنا الجافة، وتراكم الكتلة النباتية في الغابات. هذه عوامل تُفضي إلى الحرائق وفق السنن الطبيعية ذاتها في كل مكان على الأرض، سواء في كاليفورنيا أو في تشيلي أو في أستراليا أو في البرتغال. والإيمان بأن الله خلق هذه السنن لا يتعارض مع فهم آليات اشتغالها بل يتكامل معه.
الموقف الثاني: الابتلاء لا العقاب المباشر
حين أصاب المسلمين الأوائل ما أصابهم في غزوة أحد، نزل القرآن بتفسير: أولمّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم (آل عمران: 165). لكن في موضع آخر يقول: ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير (الشورى: 30). والآيتان معا لا تؤسسان لمبدأ “كل مصيبة عقاب” بل لمبدأ أدق: الابتلاء جزء من طبيعة الحياة، وقد تكون له صلة بالأفعال البشرية وقد لا تكون.
بل القرآن يذكر أن الأنبياء الصالحين أنفسهم ابتُلوا: أيوب فقد صحته وماله، وإبراهيم أُلقي في النار، وموسى وقومه هربوا مطاردين. الابتلاء لا يعني الذنب. وإلا كان الأنبياء أكثر الناس ذنبا وهم أكثرهم تقوى.
وفي كاليفورنيا كانت بين ضحايا الحرائق أسر مسلمة، وطلاب علم، وأطفال، ومسنون لا ذنب لهم ولا علاقة لهم بأي سياسة بعينها. فكيف يكون هذا عقابا موجّها بدقة إلى الظالمين؟
الموقف الثالث: عدل الله ومبدأ عدم المساءلة الجماعية
القرآن صريح لا لبس فيه في رفض مبدأ المسؤولية الجماعية: ولا تزر وازرة وزر أخرى (الأنعام: 164). لا أحد يُؤاخَذ بذنب غيره. وهذا مبدأ عدل مطلق لا استثناء فيه.
فحين نقول إن الحرائق عقاب إلهي على كاليفورنيا بسبب سياسات حكومتها أو قرارات مجتمعها، نرتكب إشكالا عقديا خطيرا: نُطبّق عقوبة جماعية على شعب يتألف من عشرات الملايين من البشر المختلفين في انتماءاتهم وقيمهم ومواقفهم. وهذا ينافي مبدأ العدل القرآني الصريح الذي لا يُطاق في الحساب الفردي فضلا عن الجماعي.
يُضاف إلى ذلك أن الله أعلن: وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (هود: 117). العذاب الجماعي في القرآن ارتبط بحالات استثنائية موصوفة لأمم اكتمل فيها التكذيب وانعدمت فيها نسبة المصلحين — وهي أوضاع لا تنطبق على مجتمعات حديثة متعددة الأصوات.
الموقف الرابع: المسؤولية البشرية في الكوارث المناخية
القرآن لا يكتفي بالتفسير الغيبي، بل يُشير إلى المسؤولية البشرية المباشرة: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (الروم: 41).
هذه الآية مدهشة في دقتها. الفساد البيئي — في البر والبحر — له صلة بما “كسبت أيدي الناس”. وهذا ما يقوله العلماء اليوم بدقة: التغير المناخي الذي يُفاقم الحرائق والفيضانات والجفاف ناتج في معظمه عن إفراط الإنسانية في حرق الوقود الأحفوري وتدمير الغابات والإسراف في الاستهلاك. فالآية تُحوّل النظرة من “هل هذا عقاب؟” إلى “ما مسؤوليتنا في ما يجري؟”.
والمسلم الذي يُريد أن يقرأ الكوارث المناخية قراءة دينية جادة، عليه أن يبدأ بهذا السؤال: ماذا أفعل أنا، ومجتمعي، وحكومة بلدي في ما يخص البيئة والمناخ؟ لأن هذا هو السؤال الذي تُلقيه الآية.
الموقف الخامس: من الشماتة إلى التضامن
ثمة ما يُسمى بالشماتة — الفرح بمصيبة الآخر. وهي نزعة إنسانية قديمة تزداد اليوم تصاعدا في بيئة التواصل الاجتماعي التي تُكافئ ردود الفعل الانفعالية على الحساب العميق.
القرآن يرفض هذه النزعة حتى مع الأعداء. حين انتصر الروم بعد هزيمتهم، فرح المسلمون بذلك لأن الروم أهل كتاب. فكيف بحين يصاب أناس عاديون في بيوتهم وأطفالهم؟ ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا (المائدة: 8). حتى البغض لا يُبيح الظلم — فما بالك بالشماتة في المصيبة؟
الموقف الإسلامي الحقيقي من الكوارث الإنسانية — أيا كانت جنسية ضحاياها أو دينهم — هو التضامن والإغاثة والدعاء والتعاطف. هذا ما يُعلّمه القرآن، وما مثّله النبي حين كان يتأثر لمصيبة أي إنسان.
خاتمة
الكوارث الطبيعية ظاهرة طبيعية تسير وفق سنن ثابتة. وهي ابتلاء يقع على الجميع بلا استثناء. ولا يجوز ربطها بعقاب موجّه بدقة إلى فئة بعينها من دون دليل قرآني صريح. والمسؤولية البشرية في التدهور البيئي حقيقية ومؤكدة بنص قرآني. والموقف الإسلامي المطلوب هو التضامن الإنساني لا الشماتة المتشفية.
القراءة الإيمانية للكوارث لا تعني أن نجد لها تفسيرا جاهزا يُريحنا من السؤال. تعني أن نُعيد ترتيب أولوياتنا: ما الذي يجب أن نفعله في مواجهة هذا الأذى؟ كيف نساعد؟ وكيف نُقلّل من تسبّبنا في كوارث مستقبلية؟ هذا هو السؤال الذي يليق بمن يؤمن بأن الله استخلفه في هذه الأرض.