يُلاحظ من يتابع المشهد الفكري في تونس تصاعدًا مقلقًا في مظاهر الرداءة الفكرية والشعبوية. والغريب أن هذه الأزمة لا تخصّ طرفًا دون غيره، بل تشمل طيفًا واسعًا من المحافظين الدينيين ورموز اليسار الأيديولوجي على حد سواء.

بل وأكثر من ذلك: تتجاوز الأزمة هذه الأطر التقليدية، لتطال أيضًا شرائح فكرية ونخبوية تُقدِّم نفسها كـ”وسطية” أو “واقعية” أو “توافقية” أو حتى “لا أيديولوجية”، لكنها – عند التمحيص – لا تختلف كثيرًا من حيث ضُعف الأدوات النقدية، والتمترس ضمن رؤى مغلقة، واختزال المشهد السياسي أو الديني في مفاهيم عامة وفضفاضة.

بمعنى آخر، نحن إزاء أزمة في البنية الذهنية، لا فقط في مواقف التيارات الكبرى المعروفة.

في تقديري، الأزمة ليست في الانتماءات، بل في أدوات التفكير وآليات الحوار.

ملامح الأزمة المشتركة

التبسيط، والتصلب، والتمترس

في كل سجال فكري، تتكرر أنماط ضعف معرفي ومنهجي ومنطقي لدى شرائح واسعة من جمهوري التيارين، بما يعكس اختلالاً في البنية الذهنية العميقة.

التبسيط المُخِل للواقع

يميل كثير من الخطابات إلى اختزال الدولة والمجتمع في ثنائيات شعبوية سطحية، منها:

  • “الإسلام مقابل العلمانية”

  • “الشعب مقابل البرجوازية”

  • “الثورة مقابل الثورة المضادة”

  • “الهوية مقابل التغريب”

  • “الاستعمار الثقافي مقابل المشروع الوطني”

  • “الممانعة مقابل العمالة”

  • “الإسلام الأصيل مقابل الإسلام الرسمي”

  • “الحداثة الأصيلة مقابل الحداثة المستوردة”

  • إلى آخره من الثنائيات

وفي حقيقة الأمر، هذه الثنائيات لا تساعد في تحليل الواقع بقدر ما تساهم في تسطيحه، ومنع رؤية التشابكات الدقيقة بين المواقف والمصالح، وبين القيم والسياقات.

فحين يتم تصوير الواقع كمعركة بين طرفين فقط، يُغفل بذلك التنوّعُ داخل كل طرف، والتقاطعات المعقدة التي قد تربط بين مواقف متباعدة ظاهريًا.

ورؤية هذه التشابكات ضرورية لفهم الواقع وتجنّب الأحكام المطلقة.

غياب التحليل التفكيكي

كثيرون يقفزون مباشرة من النص إلى الحكم، دون المرور بجهد تأويلي أو تحليل سياقي. وهذا يعني أنهم يقرأون نصًا دينيًا أو تاريخيًا أو سياسيًا، ثم يُصدرون فورًا حكمًا قاطعًا على الواقع، من دون أن يتساءلوا: ما هو السياق الذي قيل فيه هذا النص؟ ما ظروف الزمان والمكان؟ هل هو نص خاص أم قاعدة عامة؟ وهل تغيّر الواقع بما يفرض اجتهادًا جديدًا؟

والتحليل التفكيكي لا يعني نزع المعنى أو تقويض النص كما يتوهم البعض، بل هو منهج نقدي يسمح لنا بفهم الشروط التاريخية والمعرفية التي أنتجت فكرة أو خطابًا معيّنًا، ويُساعدنا على تمييز المقاصد من الحروف، وفهم العلاقة بين النص وبين السياقات التي وُلد فيها ويُطبَّق فيها.

فهو يشبه عدسة مكبّرة تتيح لنا أن نرى ما وراء ظاهر الكلام، وأن نتبيّن البنى العميقة للمعنى، وأن نفهم كيف يمكن لنفس المفهوم أن يتغير دلاليًا من سياق إلى آخر.

وبغياب التحليل التفكيكي، تتحوّل الأفكار إلى قوالب جاهزة، لا تُنتج حلولًا بل تُعيد تكرار الشعارات، حتى ولو كانت هذه الشعارات قد فقدت راهنيتها أو فاعليتها.

التحليل التفكيكي، إذن، هو ما يُبقي الفكر حيًّا ومتجددًا، لا مجرد تكرار لصدى الماضي.

ضعف أدوات التفكير

تُستبدل المعايير البرهانية في النقاش بأساليب مغلوطة، من بينها:

  • الشخصنة والسخرية

  • التعميم والإسقاط

  • التحليل النفسي للخصم

  • إفراغ المصطلحات من معناها

التحليل المنطقي يُنتج نقاشًا عقلانيًا يسمح بتمييز الادعاءات القوية من الضعيفة، وبناء قناعات مدروسة لا انفعالات عاطفية.

التمترس الأيديولوجي

كل طرف يتحصّن خلف سرديته المغلقة، رافضًا سماع أي أطروحة مخالفة إلا بغرض تفنيدها. والاختلاف الفكري تحوّل إلى خندق دفاعي لا ساحة حوارية، ما جعل المساحات المشتركة تضيق، والاحترام المتبادل يُستبدل بالتصنيف والشك.

لغة متبادلة بلا معيار

مَن يتهم مَن بالسطحية؟

ظاهرة لافتة أخرى تتمثل في سهولة كل طرف في اتهام الآخر بالسطحية، بالتعميم، وبالإسقاط، حتى تحولت هذه المصطلحات إلى أدوات تسقيط لا أدوات تحليل.

كل طرف يُسارع لتوصيف خطاب الطرف الآخر بأنه:

  • “تبسيطي”

  • “إسقاطي”

  • “مُفخّخ بمغالطات”

  • “عديم العمق”

  • أو “رد فعل عاطفي لا تحليل عقلاني”

لكنّ هذا الاستخدام المتكرر لا يستند غالبًا إلى معايير واضحة أو قابلة للقياس.

فما المقصود أصلًا بالسطحية؟ هل هي غياب التفصيل؟ غياب الأدلة؟ غياب السياق؟

وما المقصود بالإسقاط؟ هل هو محمول نفسي فعلي؟ أم مجرد تفسير رغائبي لنية الكاتب؟

نحن بحاجة إلى تعريفات معرفية دقيقة لهذه المفردات، وإلى ميزان نقدي مضبوط، لا أن نستخدمها كشعارات “جاهزة” كلما أردنا إسكات الآخر.

جذور الأزمة

التعليم، والاستقطاب، والإعلام

التعليم التلقيني

سواء في الفضاءات الدينية التقليدية أو في المسارات اليسارية التكوينية، غالبًا ما يُدرّس الفكر كحقيقة لا كمنهج. يُطلب من المتعلم حفظ “الموقف”، لا تحليل “المسألة”. وهكذا تتكرر الظاهرة لدى الطرفين: أتباع أوفياء للمنظومة، لا فاعلين نقديين داخلها.

الاستقطاب الهوياتي بعد الثورة

ساهمت ثنائية “الإسلاميين ضد الحداثيين” في تحويل النقاش السياسي إلى صراع هويات، بدل أن يكون نقاشًا حول مشاريع وبرامج.

وكان بالإمكان تقليل هذا الاستقطاب من خلال خطاب سياسي يُفرّق بين التدين والتوظيف السياسي للدين، وبين النقد الفكري والعداء الهوياتي.

فقر الإعلام الثقافي

قلّة منابر الإعلام الثقافي الرصين حرمت الجمهور من أمثلة حية على نقاشات فكرية عميقة. غياب هذه المنصات سمح بانتشار ثقافة “التحشيد” بدل “التحليل”، و”الهتاف” بدل “البرهان”.

مخارج الأزمة

من الانفعال إلى البناء

إحياء الحوار العقلاني

نحتاج إلى نشر ثقافة الجدل البرهاني والمناظرة المؤدبة، لا كترف نخبوي، بل كمهارة مدنية. ويكون ذلك من خلال برامج تربوية، تكوينات في المجتمع المدني، وورش تفكير داخل المساجد والمدارس والجامعات.

ترسيخ كود أخلاقي للفكر العام

لا يمكن للنقاش العام أن يرتقي ما لم نُحيِ أخلاقيات الجدل:

  • الصدق في تمثيل أفكار المخالف

  • تجنّب التهكم والسخرية

  • احترام الفروق بين النية والفكرة

  • التمييز بين نقد الفكرة والتجريح في حاملها

تكوين نخب فكرية مركبة

نحتاج إلى نخب قادرة على الجمع بين مرجعياتها الفكرية (الدينية أو اليسارية أو المستقلة) وبين أدوات تحليل اجتماعية وفلسفية حديثة.

هذه النخب تملك قدرة نادرة على الترجمة بين الحقول، وهي الأكثر قدرة على بناء جسور داخل المجتمع، وتقديم حلول واقعية بلغة مفهومة للجميع.

دعم النقد من الداخل

النقد الخارجي غالبًا ما يُواجَه بالرفض أو التشكيك. لكن حين ينبثق النقد من داخل التيار ذاته، يصبح أكثر فاعلية وأقل إثارة للممانعة.

النقد البنّاء من الداخل يسمح بإعادة التفكير دون الشعور بالخذلان أو الانسلاخ.

ما أردت قوله، هو أن الأزمة ليست في العقائد ولا في الهويات، بل في طريقة التفكير وآليات النقاش. ومن دون إصلاح أدوات التفكير، لن تنفع الشعارات، ولن يُحدث التغيير المطلوب أي أثر.

ما نحتاجه ليس فقط “خريطة طريق”، بل بوصلة معرفية جديدة تعيد الاعتبار للعقل، وللمنهج، والتحليل المركب..

بوصلة تحمينا جميعا من أن نعيد إنتاج انفعالاتنا، ونسميها فكرًا..

#بوصلة_فكرية