استسهال التخوين: آفة تُفتّت النقاش وتُعمّق الانقسام أصبح من السهل اليوم أن يُوصم أي شخص أو جماعة أو دولة أو نظام، بالعمالة والخيانة لمجرّد الاختلاف في الرأي أو الموقف، سواء في النقاشات السياسية أم العقائدية.

هذه النقاشات تحوّلت إلى ما يشبه حروبًا كلامية مشتعلة، ترتكز على التشكيك والتشهير والانتقاص من قيمة الآخر، ولم تعد الأفكار تُنقَد ولا المواقف تُناقَش بعقلانية، بل صار اللجوء إلى لغة الاتهامات الجاهزة طريقًا مختصرًا للتهرّب من ضرورة التحليل الموضوعي والنقاش المستنير.

ونتج عن ذلك حالة استقطاب مبنية على أخبار كاذبة وفيديوهات مفبركة وتدليس للمواقف. ومع الأسف، يؤدّي هذا المناخ المشحون بالعاطفة وسرعة إطلاق الأحكام إلى ازدياد حالات التهجّم المتبادل، مما يفاقم الانقسامات والفرقة.

خطورة هذه الظاهرة تكمن في أثرها العميق على التماسك الاجتماعي: في أجواء يغلب عليها الشك والريبة، تضعف الثقة بين أفراد المجتمع، ويتحوّل الاختلاف من كونه مصدرًا للتكامل والإثراء إلى مادة للعداء والتناحر. كما تُهدَر في هذا السياق طاقات هائلة في الرّد على الاتهامات أو الدفاع عن الذات، بدلًا من استثمارها في البناء والتطوير ومواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية التي تستلزم التعاون والعمل على المشترك.

لا سبيل إلى الخروج من الحالة التعيسة للعرب إلا بالاعتراف بالتعدّدية الفكرية وتبنّي الحوار سبيلًا لتقبّل الرأي الآخر. هذه مسألة جوهرية، لا يمكن التعاطي معها باستخفاف؛ بل يجب أن تتحوّل إلى “عقيدة إيديولوجية” صارمة تحكم سلوك الأفراد والجماعات في مواجهة أي خلاف.

أحد المدلّسين اتهمني منذ قليل بالتدليس، حين قرأت عنده نصا لجمال سلطان يتهم فيه “المتأرينين العرب” بغض الطرف عن مسؤولية حزب الله (باعتباره عضوا في الحكومة اللبنانية) عن ترحيل عبد الرحمن القرضاوي للإمارات.. فعلقت على كلامه بأن هذا الاتهام لا يختلف عن الاتهامات التي تعرضت لها النهضة سابقا دون حلفائها الآخرين في الحكم، وأن الإخوان بقوا لاسبوع كامل لم يوجهوا فيه أي اتهام لتركيا التي لم تحم أحد مواطنيها، فاتهمني بالتدليس باعتبار انتشار كثير من المواقف (وأغفل متعمدا أن الحملة الإخوانية على تركيا لم تبدأ إلا يوم أمس فقط)..

هذا النوع من التخميرات ممن أصبحوا مهووسين بالبحث عن كل تفصيل وجزئية لاتهام هذا الطرف أو ذاك.. يجب فضحها بقوة إلى أن تنتهي..

خاتمة

ثقافة التخوين ليست مشكلة أفراد — هي مشكلة بيئة. والخروج منها يحتاج قرارًا جماعيًا: الاتفاق على أن الاختلاف في الرأي لا يستوجب الاتهام في النية.