منذ بدايات شبابي، أي في سن السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، لاحظت أن عددًا غير قليل من الأهل، والأقارب، والأصدقاء، والمعارف – بل حتى أحيانًا من غرباء جمعتني بهم مواقف عابرة – كانوا يرجعون إليّ في مسائل دينية أو اجتماعية، يستشيرون، ويطلبون رأيًا، أو تفسيرًا، أو توجيهًا.
ولم يكن هذا نابعًا من كوني “فقيهًا”، ولا لأني كنت أقدّم نفسي على هذا النحو. بل أعتقد أن ما منحني هذه المكانة لديهم هو شعورهم بصدق نيتي، وحرصي على الحقيقة، وقدرتي على البحث العلمي والتحليل والمقارنة وتبسيط المعلومة، واستعدادي للخدمة والمساعدة، وامتناعي التام عن فرض قناعة، أو استغلال ثقة، أو استعمال سلطة دينية ضمنية للتأثير.
وكان هذا هو المنهج الذي التزمت به دائمًا..
مع مرور السنوات، أصبحت هذه “الاستشارات” نوعًا من الرسالة التي أؤمن بها، وعملت جاهدًا على أن ألتزم فيها بمنهجية عقلانية، منضبطة، وأخلاقية في آنٍ واحد. وكان هذا المنهج يتكون من خمس مراحل مترابطة:
فهم خلفية السائل والسياق النفسي والسلوكي لسؤاله
لا أكتفي بسماع السؤال كما هو منطوق، بل أبحث عمّا وراءه: هل هو سؤال واقعي أم افتراضي؟ هل الدافع وراءه حيرة حقيقية أم مجرد جدل؟ هل هو صادر عن قلق داخلي، أم تجربة خاصة، أم بحث علمي مجرد؟
شرح المقصد الديني والإنساني من الحكم
قبل الخوض في الأحكام، أبدأ بتوضيح الغايات الكبرى: لماذا وُضع هذا الحكم أصلًا؟ ما الحكمة من ورائه؟ ما أثره على النفس والمجتمع؟
عرض التنوع الفقهي بإنصاف
أعرض الآراء المختلفة للفقهاء عبر المدارس والمذاهب، وأوضح أن وجود الخلاف دليل على السعة، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى باب للقلق، بل إلى مجال للاختيار الواعي المسؤول.
العودة إلى روح القرآن قبل نصوص الفقه
لا أكتفي بإيراد أقوال العلماء، بل أُرجع المسألة إلى مرجعها الأعلى: القرآن الكريم، بروحه الكلية، ومقاصده الرحيمة، ونصوصه المحكمة.
تقديم نصيحتي المتواضعة
بعد كل ما سبق، أعرض الرأي الذي أراه راجحًا – لا باعتباره “الحل الصحيح”، بل كنصيحة شخصية تميل إلى ما فيه الرحمة، والعدل، والتيسير، وتشجيع الخير، وتجاوز الزلات.
لهذا كنت دائما لا أقبل غير هذا المنهج من الفقهاء أو الكتاب الذين أطلع على آرائهم في القضايا الدينية.. لأنني أنا على قناعة راسخة أن الفقيه أو الداعية أو المستشار الذي يُصدر حكمًا دون أن يصغي إلى السائل، أو يقسو باسم النص دون وعيٍ بمقاصده، أو يُضيّق حيث وسّع الله، لم يفهم القرآن بعد، ولو حفظه غيبًا.
ولذلك، أجد أن الأمانة العلمية والإنسانية في الإجابة على أسئلة الناس ليست مجرد معرفة بالنصوص، بل هي فهم عميق للإنسان، والزمان، وسنن الدين في الحياة.
نحن في هذا العالم في رحلة تعلّمٍ مشتركة، نسلك فيها طريقًا واحدًا، ونخوض امتحانًا واحدًا، وإن اختلفت تفاصيل الأسئلة. والأصل أن نتعاون ونتشارك في المعرفة، لا أن نتصارع على مواقع الخطاب أو مراتب التوجيه. وهذا لا يتحقق إلا بالثقة، وبالإحساس الحقيقي بحاجة الآخر إلى المعلومة الصادقة والمنهج المنير.
فنحن – كطلاب في مدرسة واحدة – نلجأ في كل مادة إلى من قضى فيها وقتًا أطول، أو ظهرت عليه ملامح الفهم، لا تعظيمًا له، بل ثقةً بخبرته، وطلبًا للعون من زميلٍ لا يتعالى، بل يُعين.
وهكذا أرى نفسي دومًا: زميل دراسة في مسالك الدين والحياة..
أمانة الكلمة
أثقل ما في هذا الدور هو أمانة الكلمة. الكلمة التي تُقالها لصديق في لحظة قرار قد تُشكّل حياته. والفتوى الدينية تنتشر وتُسمع في سياقات لم تتخيّلها.
هذا ما يجعل التواضع ضرورة: “لا أعرف” حين لا يُعرف، و”في هذا الأمر أقوال متعددة” حين توجد، هي أكثر أمانة من الحسم الزائف.
ما يبقى
ما يبقى من أربعين سنة من الثقة ليس المعرفة المتراكمة — بل العلاقات التي بُنيت على الصدق.
خاتمة
أربعون سنة من الثقة درس في أن الكلمة الصادقة — حتى حين تكون صعبة — أكثر بناءً من الكلمة المريحة. والذي يُعطيك ثقته يستحق الأولى.