في بلداننا العربية، كثيرا ما نتعامل مع اللغة وكأنها أمر مضمون بطبيعته. نولد داخلها، فنظن أنها ستبقى فينا من غير جهد، وأنها ستنتقل إلى أبنائنا تلقائيا، وأنها ستصمد مهما تغيرت الظروف. لكن الهجرة تعلم الإنسان شيئا مختلفا تماما: اللغة لا تبقى حية لأنك تحبها في المجرد، بل لأنها تتحول إلى قرار يومي.
أذكر أنني في السنة الثانية من إقامتي في كندا وجدت نفسي ذات مساء أفكر بالفرنسية في شيء ديني. لم يكن الأمر صاخبا، لم يكن إعلانا. كانت جملة واحدة مرت في رأسي بلغة أخرى. لكنها أفزعتني بطريقة لا تناسب حجمها، لأنني أدركت حينها أن الانتقال اللغوي الصامت ممكن، وأنه لن يأتي بإشعار مسبق. كانت تلك اللحظة، بقدر ما أتذكر، هي البذرة الأولى لما أسميه “قرار العربية”.
بعد سنتين من هجرتي، وجدت نفسي أمام سؤال لم يكن نظريا أبدا: ماذا سيبقى مني إذا تراجعت العربية في داخلي إلى مجرد بقايا عاطفية؟ كنت قد جئت من تكوين علمي، لا أدبي. ولم تكن العربية المكتوبة عندي امتيازا طبيعيا جاهزا. لذلك فهمت مبكرا أن الحفاظ عليها لن يكون مجرد حنين إلى الأصل، بل جهدا واعيا: أن أتعلم، وأن أكتب، وأن أراجع نفسي، وأن أقاوم الإغراء السهل في الحديث بالفرنسية أو الإنجليزية مع العرب كلما كان ذلك أيسر.
هذا القرار لم يكن تعصبا ضد اللغات الأخرى. بالعكس، العيش في كندا ومتابعة التجربة الكيبيكية عن قرب علّماني أن الشعوب التي تحترم نفسها لا تعادي اللغات الأجنبية، لكنها لا تسمح لها بابتلاع لغتها المركزية. ما شدني في التجربة الكيبيكية ليس فقط الدفاع عن الفرنسية بوصفها وسيلة تواصل، بل بوصفها عمودا من أعمدة الوجود الجماعي. هناك فهمت بوضوح أن اللغة ليست مجرد أداة. إنها تصور للعالم، وطريقة في ترتيب المعنى، ومخزن للذاكرة، وشكل من أشكال الكرامة الرمزية.
من هنا بدأت أنظر إلى العربية عندي بوصفها قرارا يوميا متجددا: قرارا في القراءة، وقرارا في الكتابة، وقرارا في اختيار اللسان الذي أخاطب به العربي حين ألقاه، وقرارا في نوع المحتوى الذي أنتجه. وكان للكتابة المنتظمة بالعربية أثر حاسم في ذلك — أولا على فيسبوك، ثم في مقالات، ثم في كتب. اللغة تقوى بالاستخدام وتضعف بالإهمال، وما لا نكتبه يتآكل، وما لا ننطق به ينسحب تدريجيا من الداخل.
لم يكن الأمر مجرد قرار لغوي نظري. صار عادة عملية لها تفاصيل صغيرة: أن أفتح كتابا عربيا قبل النوم لا بعد انتهاء كل شيء آخر. أن أكتب تعليقا أو فكرة بالعربية حتى حين يكون الموضوع أسهل بالفرنسية. أن أبحث عن الكلمة العربية الدقيقة بدل الاستسهال بما حضر. وأن لا أتحول في المجالس العربية إلى من يبدأ الجملة بالعربية وينتهي بكلمات فرنسية من باب الإيجاز، لأن ذلك “الإيجاز” مدخل من مداخل الذوبان.
وهنا يظهر فرق مهم كثيرا ما يغيب في النقاش: هناك لغة بيتية حميمة تحفظ الدفء والقرابة، وهناك لغة فكرية تبني الفكرة والحجة والوعي. قد ينجح كثير من المهاجرين في إبقاء العربية حاضرة في البيت على شكل عبارات يومية وعلاقات عائلية، لكن الصعوبة الأعمق هي أن تبقى العربية أيضا لغة قراءة وتأمل وكتابة وتحليل. واللغة إذا خسرت هذا المستوى الثاني، تتحول بالتدريج إلى وعاء عاطفي ضيق، بينما تهاجر الأفكار الكبرى إلى لغة أخرى. وحين يحدث ذلك، لا تُفقد اللغة وحدها، بل يُفقد معها جزء من القدرة على التفكير بطريقة معينة، لأن بعض المعاني تسكن في لغات بعينها ولا تُترجَم بأمانة تامة.
ومن أهم ما يجب الاعتراف به هنا أن سؤال اللغة في الهجرة ليس واحدا عند الآباء والأبناء. أنا لا أطلب من أولادي أن يعيشوا هويتهم بالطريقة نفسها التي عشتها أنا. جئت من تونس وأنا أحمل مخزونا لغويا وثقافيا سابقا، بينما هم تشكلوا هنا في فضاء مختلف. لذلك لا أرى مشكلة في أن تكون علاقتهم بالفرنسية أو الإنجليزية أكثر طبيعية وأقوى حضورا. لكن ذلك لا يلغي مسؤوليتي أنا عن أن أجعل العربية حاضرة بوصفها أفقا ممكنا، لا عبئا ثقيلا ولا زينة احتفالية موسمية. وهذا يعني، على المستوى العملي، أن تبقى مكتبتنا البيتية حية، وأن تُسمَع العربية في الحوار وفي الأغنية وفي التلاوة، وأن يرى الأبناء أن أباهم يكتب بها، وأن الكتابة ليست واجبا مدرسيا بل طريقة في الوجود.
لم يكن هدفي أن أجعل من العربية جدارا أعزل به نفسي عن العالم. كان هدفي أن لا أتحول في العالم إلى ذات مقطوعة الجذر. فالهجرة تفتح فرصا كثيرة، لكنها تضع الإنسان أيضا أمام قابلية عالية للذوبان الصامت. يحدث ذلك من غير إعلان، ومن غير صدمة واحدة واضحة: كلمة تتراجع، ثم ذائقة، ثم طريقة تعبير، ثم مرجع ثقافي كامل. وبعد سنوات يكتشف الإنسان أنه لم يعد قادرا على قول أعمق ما في داخله باللغة التي خرج منها أصلا.
اللغة إذا لم تتحول إلى ممارسة يومية، فإنها تتحول في المنفى إلى شعار. والشعار لا يحمي هوية. الذي يحميها هو أن يقرأ الإنسان بالعربية، ويكتب بها، ويجادل بها، ويفكر بها، ويصنع بها أثرا. لذلك أقول إن العربية قرار — لا لأن كل من فقدها مذنب، بل لأن من يريد أن يحفظها في المنفى لا يكفيه أن يندب ضياعها. لا بد أن يبني لها مكانا في حياته الفعلية، يوما بعد يوم، نصا بعد نص، حوارا بعد حوار.
تعلمت من هذه التجربة أن الهوية لا تنجو بالمشاعر وحدها. تنجو بالعادات، والخيارات الصغيرة، والانضباط اللغوي، والسياسات الأسرية، والوعي بأن ما نعتبره بديهيا اليوم قد لا يبقى غدا إذا لم نحمه. واللغة في هذا كله ليست تفصيلا. إنها من أعمق الصور التي نحفظ بها أنفسنا من التبدد.
لهذا، حين أقول إن العربية كانت قرارا أنقذ هويتي من الذوبان، فأنا لا أطلق مبالغة خطابية. أنا أصف مسارا عمليا: أن أختار لغتي كي لا أفقد جزءا من نفسي. وأن أتمسك بها لا ضد العالم، بل لكي أدخل العالم من غير أن أخرج من ذاتي.