حين صادق البرلمان التونسي على تركيبة هيئة الحوكمة ومكافحة الفساد سنة 2019، كنت أتابع تفاصيل القانون باهتمام خاص. فأنا أعمل في مجال أنظمة المعلومات والحوكمة المؤسسية منذ سنوات، وأعرف عن كثب ما الذي تحتاجه أي هيئة رقابية حقيقية حتى تقوم بعملها. وما لفت نظري فورا لم يكن ما أدرجه المشرّعون في التشكيلة، بل ما أغفلوه.

هذا المقال ليس هجوما على الهيئة ولا على من صاغ قانونها. النية الحسنة موجودة في كثير من المشاريع التشريعية التونسية. المشكلة في مكان آخر: في فجوة معرفية حقيقية بين من يصنعون القانون وبين طبيعة المشكلة التي يريدون حلها. ومن واجبي كمتخصص أن أُشير إلى هذه الفجوة بوضوح، لأن المؤسسات التي تُبنى على أسس ناقصة تُخفق حتى حين تكون نواياها سليمة.

ما أدرجه المشرّعون: التشكيلة الرسمية

نصّ القانون على تسع فئات من الأعضاء: قضاة، ومحامون، وخبراء محاسبون، وأكاديميون، وممثلو هيئات رقابية، وغيرهم من التخصصات القانونية والمالية التقليدية. وهذه التشكيلة منطقية في حدود إطارها، لأن الفساد في صورته التقليدية — الرشوة والاختلاس والمحسوبية — يحتاج فعلا إلى قانونيين ومحاسبين وقضاة.

لكن الفساد في المنظومات المعاصرة لم يعد يتخذ صوره التقليدية فقط. هو أصبح أكثر تعقيدا وأشد خفاء، ويتسرب في ثغرات المنظومات الرقمية والإجرائية التي لا يراها من لم يتعامل معها مباشرة. ولهذا تبدو التشكيلة، رغم احترامها، أقرب إلى معالجة جزء من المشكلة لا إلى الإحاطة بكل أبعادها المعاصرة.

ما أغفله المشرّعون: الكفاءات الغائبة

أولا: المختص في تكنولوجيا المعلومات.** هذا الغياب في نظري هو الأخطر على الإطلاق. الفساد في الإدارات الحديثة يعشّ في أنظمة المعلومات: في قواعد البيانات المتلاعَب بها، وفي العقود الرقمية المُضخَّمة، وفي منصات الصفقات العمومية التي تحتمل ثغرات تُتيح الالتفاف، وفي سجلات التدقيق الإلكترونية التي يمكن تعديلها أو حذفها. هيئة رقابية لا تملك خبيرا في أنظمة المعلومات تشبه مكتب تدقيق لا يملك محاسبا: تستطيع أن تتفحّص ما يُعطى لها من وثائق لكنها لا تستطيع أن تكتشف ما يُخفى عنها في الطبقات الرقمية.

وفي كثير من البيئات المؤسسية الحديثة، سواء في كندا أو غيرها، صار من المعتاد أن ترافق خبراتُ التقنية والتدقيق الرقمي أعمالَ المراجعة والرقابة، لأن التقارير المالية والإدارية لم تعد منفصلة عن أنظمة المعلومات التي تنتجها.

ثانيا: المختص في إدارة المخاطر.** إدارة المخاطر (Risk Management) تخصص قائم بذاته يُعنى بتحديد نقاط الضعف المؤسسية قبل أن تُستغل. والمؤسسات الرقابية الجادة لا تنتظر وقوع الفساد لتتحرك، بل تُحدد مسبقا أين تتجمع الظروف المواتية للفساد: المناطق التي تضعف فيها الرقابة، والإجراءات التي تُتيح السلطة التقديرية المفرطة لشخص واحد، والعقود التي يصعب مراقبتها من الخارج. من دون هذا المنظور الوقائي، تصبح الهيئة علاجية فقط لا وقائية. وعلاج الفساد بعد وقوعه أشبه بإطفاء الحرائق بعد أن تلتهم المخزن.

ثالثا: المختص في العمليات الإدارية.** كثير من الفساد لا يولد من نية خبيثة بل من فوضى إجرائية. حين لا توجد معايير واضحة، وحين يتداخل الاختصاص بين جهات متعددة، وحين تُغيب الوثائق وتشحّ معايير الأداء — يجد الفساد أرضا خصبة لا لأن الناس يريدون الفساد بالضرورة بل لأن الغموض الإجرائي يجعل المحاسبة مستحيلة. خبير العمليات الإدارية (Business Operations) يُحدد هذه الثغرات البنيوية ويقترح سدّها.

رابعا: المختص في الامتثال والأخلاق المؤسسية.** تخصص الامتثال (Compliance and Ethics) يُعنى بتأسيس ثقافة مؤسسية تجعل الالتزام بالمعايير سلوكا طبيعيا لا استثناء. وهذا بُعد يُهمله كثيرون لأنه “ناعم”، لكنه في الحقيقة أحد أعمق الضمانات ضد الفساد المزمن. المؤسسات التي تملك برامج امتثال جادة وقنوات للإبلاغ عن المخالفات وحماية المبلّغين تُنتج بيئة تُصعّب على الفساد الاستمرار حتى حين تغفل أجهزة الرقابة الخارجية.

الدرس من تجارب دولية

الهيئات الدولية والتجارب المقارنة في الحوكمة الرشيدة تُظهر بوضوح أن المقاربة القانونية وحدها لا تكفي، وأن فعالية الرقابة ترتفع كلما تكامل القانون مع تحليل المخاطر والتدقيق الرقمي والامتثال المؤسسي. وما يُلاحظه المرء في الدول التي حققت نتائج أفضل في هذا المجال ليس فقط وجود قوانين صارمة، بل وجود أجهزة أكثر تنوعا في المهارات وأكثر قدرة على كشف الخلل قبل استفحاله.

وسنغافورة تُذكر كثيرا في هذا الباب لا لأن بنيتها قابلة للنسخ الحرفي، بل لأن تجربتها تبيّن قيمة الجمع بين التحقيق القانوني والكفاءة الإجرائية والقدرة العالية على المتابعة والتنفيذ.

ما الذي يكشفه هذا الغياب؟

لا أقول إن المشرّعين كانوا سيئي النية. أقول إن هذه الفجوة تكشف عن شيء أعمق: قصورا في الفهم المؤسسي لطبيعة الفساد في الدولة الحديثة. فحين يُصمَّم جهاز رقابي بعيون قانونية فقط، يُنتج جهازا قادرا على محاكمة ما يراه لكن غير قادر على رؤية ما يخفى. وهذا القصور ليس عيبا أخلاقيا في القائمين عليه، بل عيب بنيوي في تصميم المؤسسة ذاتها.

الحوكمة الجادة تبدأ بالاعتراف بأن الفساد الحديث يشتغل في أنظمة معقدة تشمل التقنية والبيانات والإجراءات والثقافة المؤسسية. ومن يُصمّم هيئات رقابية دون أن يأخذ هذا التعقيد في الحسبان يبني، مهما حسنت نيته، مؤسسات تتأخر دائما خطوة عن الفساد الذي تلاحقه.

خاتمة

أكتب هذا التحليل لا من موقع الناقد المُعارض، بل من موقع المختص الذي يريد لتونس أن تنجح في محاربة الفساد فعلا. لأن الفساد يكلّف هذا البلد ما لا يُقدَّر: يُهدر موارده، ويُفسد مؤسساته، ويُنفّر المستثمرين، ويُكرّس الإحساس بأن الكفاءة لا تُجدي في مواجهة الشبكات. وأي خطوة نحو هيئة رقابية أكثر كفاءة وأشمل تخصصا هي خطوة في الاتجاه الصحيح.

لا يتعلق الأمر بالتجديد من أجل التجديد، بل بالمواءمة بين أدوات الرقابة وطبيعة التحدي. والتحدي اليوم تقني ومؤسسي وإجرائي بقدر ما هو قانوني. من يُدرك هذا يبني هيئة رقابية فاعلة. من لا يُدركه يبني جهازا يشتغل لكنه لا يُثمر.