كثيرًا ما يُطرح سؤال: ما الفارق الحقيقي بين اليسار الديمقراطي الاجتماعي “المؤمن” واليمين الديني المحافظ في تونس؟ فكلاهما يرفع شعارات كبرى مثل العدالة الاجتماعية أو حماية الهوية.
لكن عند التعمق في المنطلقات والأدوات والممارسات، يظهر أن الأمر لا يتعلق بتقاطع في التفاصيل، بل باختلاف باراديغم كامل: أي رؤية شاملة للإنسان، والدولة، والمجتمع.
منطلق العدالة الاجتماعية
-
اليسار الديمقراطي الاجتماعي: العدالة حق مضمون بالقانون والدولة، لا منّة ولا إحسان.
-
اليمين المحافظ: العدالة إطار تكافلي بالأساس يقوم على الزكاة والمساعدات.
مثال (2011–2021): صندوق الكرامة صيغ في خطاب أخلاقي/ديني، لكنه لم يتحول إلى إصلاح جبائي شامل.
العلاقة بين الدين والدولة
-
اليسار الديمقراطي الاجتماعي: الدولة محايدة، الدين محترم كقيمة روحية لا كأداة حكم.
-
اليمين المحافظ: يوظف الدين كشرعية سياسية أو أداة انتخابية.
مثال: في 2012–2013 استُعملت المساجد للدعاية قبل فرض قانون تنظيمها.
المواطنة والمساواة
-
اليسار الديمقراطي الاجتماعي: المساواة شاملة بلا استثناء (جنس، دين، جهة).
-
اليمين المحافظ: مقاربة انتقائية، تضع قيودًا باسم الشريعة.
مثال: موقف النهضة المتردد من مبادرة المساواة في الإرث (2018).
منطق الاقتصاد ودور الدولة
-
اليسار الديمقراطي الاجتماعي: الدولة تعيد توزيع الثروة وتضمن الحقوق الاجتماعية.
-
اليمين المحافظ: أقرب لاقتصاد السوق الحر مع خطاب أخلاقي.
مثال: النهضة قبلت بالخيارات الليبرالية تحت ضغط المؤسسات الدولية، بلا إصلاح جبائي تصاعدي.
الحريات الفردية والعامة
-
اليسار الديمقراطي الاجتماعي: الإيمان والحرية متكاملان، وحرية الضمير أساسية.
-
اليمين المحافظ: يربط الحريات بـ”الثوابت”، ما يفتح باب التقييد.
مثال: جدل “حرية الضمير” في دستور 2014، حيث قاومت النهضة إدراجها ثم قبلت بها تحت ضغط التوافقات.
الأغلبية والأقلية
-
اليسار الديمقراطي الاجتماعي: يرى أن حقوق الأقليات (الدينية، الجندرية، الجهوية) جزء لا يتجزأ من العقد الاجتماعي، وهي محمية بالقانون والمؤسسات حتى ضد نزعات الأغلبية. فالأغلبية لا تعطي الحقوق، ولا تملك سحبها، بل الحقوق سابقة على كل سلطة سياسية.
-
اليمين الديني المحافظ: حين يكون في موقع الأغلبية، تبرز لديه نزعة لفرض تصور ديني/ثقافي على المجال العام، ما يولّد انزعاجًا من مظاهر حرية الأقليات، خصوصًا الدينية منها، وكأنها تهديد لوحدة “الأمة”.
مثال (2011–2014): الجدل حول حرية المعتقد في الدستور، حيث عارضت النهضة إدراجها كحق مطلق، معتبرة أن حرية الأقليات الدينية (خصوصًا المسيحيين والبهائيين) قد تفتح الباب إلى “المساس بالثوابت”.
مثال آخر (2012): تصريحات وحملة إعلامية محذرة ضد التبشير المسيحي أو ضد بهائيين في تونس، اعتبرت مجرد وجودهم أو نشاطهم “اختراقًا”، وهو ما يعكس نزعة لتقييد حرية الأقليات بدل حمايتها بالقانون.
هذه النقاط الست تبين أن الاختلاف بين الطرفين ليس في شعارات العدالة أو في خطاب الهوية فقط، بل في الأساس النظري والعملي معًا:
-
اليسار الديمقراطي الاجتماعي ينطلق من دولة قوية، ومواطنة متساوية، وحريات مضمونة.
-
بينما اليمين المحافظ يضع الدين في قلب السياسة، ويُبقي العدالة والحقوق رهينة توازنات أخلاقية أو تفاوضية.
لذلك، فالنقاش بينهما هو في جوهره صراع باراديغمين مختلفين حول مستقبل الدولة والمجتمع، لا مجرد تباين في السياسات أو الأولويات.
الفارق في الممارسة
اليسار الديمقراطي الاجتماعي يُقدّم الحقوق الاجتماعية كحقوق مدنية لا كمنح. اليمين الديني المحافظ يُقدّم الرعاية الاجتماعية كصدقة وإحسان — مشروع أخلاقيًا لكن غير مُلزَم قانونيًا. الفرق في البنية لا في النوايا: الحقوق تُستردّ، والصدقة تتوقف بتوقف إرادة المانح.
لماذا هذا التمييز مهم؟
من يريد عدالة اجتماعية مستدامة يحتاج الأولى لا الثانية. ومجتمع يعتمد على أخلاق الأفراد الخيّرين أكثر هشاشة من مجتمع يبني حقوقه في القانون.
خاتمة
الفارق بين اليسار الاجتماعي واليمين الديني ليس في الشعارات — هو في المنهجية: كيف تُقرَّر الحقوق، كيف تُحدَّد مصادرها، ومن يُحاسَب حين تُنتهَك.