منذ أكثر من 15 سنة، وأنا أكتب هنا باستمرار عن آرائي في الدين، والفكر، والعلم، والسياسة…
أفتح باب النقاش وأتفاعل بندّية وجدية مع من يعلّق على ما أكتب، وأعتبر الحوار مساحة لتبادل الأفكار وليس لتبادل الشتائم أو الاستفزازات.
لكن مع كثرة التجربة والاحتكاك، تعلّمت شيئًا مهمًّا: كلمة “صداقة” على فيسبوك لا تعني بالضرورة علاقة حقيقية أو احترامًا متبادلًا.
لماذا أقبل طلبات الصداقة؟
حين أقبل إضافة شخص، أختاره عادة بناءً على:
-
اهتماماته القريبة من مجالات النقاش في صفحتي.
-
أسلوبه في الحوار، حتى مع من يختلف معهم.
-
شعوري بأن حضوره سيُضيف قيمة للنقاش، وليس مجرّد ضوضاء.
أو في أدنى الحالات، حين أتصفح بروفايله وأجد أنه ربما لمس بعض الفائدة في متابعتي، وقراءة منشوراتي..
ولكن، في كل الحالات، صفحتي ليست “ساحة عامة”، بل مساحة شخصية أشارك فيها أفكاري مع من أرى أنهم يقدّرون النقاش الجاد.
لماذا أحذف صداقة أو أعمل بلوك؟
الحذف أو البلوك ليس قرارًا عاطفيًا ولا خوفًا من النقد، ولا مؤشرا على هشاشة نفسية كما أراد أحدهم تصوير ذلك، بل وسيلة لإدارة مساحتي الشخصية. هناك حالات واضحة تدفعني لذلك:
أ. السخرية والاستهزاء:
التعليقات التي تضع ضحكات على أفكار جدّية.
أو التعليقات التي تحمل نبرة استهزاء بشخصي أو بمنشوراتي، بدل مناقشة الفكرة.
ب. انعدام اللباقة في النقد:
أرحّب بالاختلاف الجاد وأستمتع به، لكن حين يتحوّل النقد إلى اتّهامات، أو تشكيك في النوايا، أو تقليل من قيمتي العلمية أو الفكرية، هنا ينتهي النقاش.
ج. التشويش على النقاش:
أحيانًا يعلّق البعض بتعليقات خارج موضوع المنشور، فتشتّت المتابعين وتخرِج الحوار عن مساره. هذا أيضًا سبب كافٍ لحذف التعليق أو صاحبه إذا تكرّر الأمر.
د. التنمّر العلني:
بعض الأشخاص لا يكتفون بالتعليق عندي، بل يذهبون إلى صفحتهم لكتابة منشورات ساخرة أو مهاجمة، يحاولون فيها صناعة “مظلومية” وجلب التعاطف. في هذه الحالة، أفضّل إنهاء أي علاقة افتراضية معهم نهائيًا.
التعامل مع الهجمات والسخرية
كل من يعرفني عن قرب، يعرف أني لا أسكت على أي انتقاص أو سخرية أتعرض لها… إلا من أشخاص داخلين في دائرة مقرّبة رفعنا فيها الكلفة.
البقية؟ أي انتقاص أتعرض له، أقابله عادةً بانتقاص أقوى منه أو مساوي له..
لكن في كثير من الأحيان، أفضّل تجاهل المنشورات المستفزة حفاظًا على وقتي وطاقتي. أما إذا وجدت تجاوزًا صريحًا أو تحريفًا لكلامي، قد أردّ بسخرية لاذعة أكشف فيها الشخصنة وضعف الحجة.
وإذا وجدت من بين “أصدقائي” من يشارك في السخرية أو يشجّعها، فأنا أحذف صداقته هو أيضًا، لأن الصداقة عندي تقوم على حدّ أدنى من الاحترام المتبادل.
لست ضد الرأي المخالف
الكثير منكم يعرف أنني أقبل التحدي الفكري لمواقفي، وأتفاعل مع النقد بجدّية وبلا غرور.
لكن هناك فرق كبير بين من يناقش فكرة، ومن يسعى للتنقيص أو للتنمّر أو لتصفية حسابات شخصية.
صفحتي ليست منبرًا عامًا لكل من أراد الصراع أو تفريغ طاقته السلبية.
هذه مساحتي الشخصية، أكتب فيها ما أريد، وأختار من أريده حولها.
الحذف أو البلوك ليس قمعًا للرأي المخالف، بل هو حماية للنقاش، وللوقت، وللراحة النفسية.
من يريد النقاش الجاد مرحّب به دائمًا، أما من يبحث عن ساحة للسخرية أو تصفية الحسابات، فصفحتي ليست المكان المناسب لذلك.
قواعد التفاعل الجيّد
من مرّ بمئات النقاشات الرقمية يتعلم تدريجيًا التمييز: من يُريد الحوار ومن يُريد الانتصار. قواعد بسيطة: أرحّب بالاختلاف حين يأتي بحجة، أتجاهل الاستفزاز حين يخلو من مضمون، أضع حدودًا واضحة حين يتحوّل النقاش إلى إهانة.
الصداقة الحقيقية في الفضاء الرقمي
نعم — توجد. من بني على التبادل الفكري الجاد على مدى سنوات علاقات حقيقية تجاوزت الشاشة. لكنها تُبنى بصبر وانتقاء لا بالتراكم العشوائي.
خاتمة
15 سنة من الكتابة العامة تعلّمك شيئًا: الجمهور الذي يستحق الجهد لا يُعدّ بالأرقام. يُعدّ بالجودة وعمق التفاعل. وهذا المعيار يُريح كثيرًا من الضغط الرقمي.