إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ (النحل: 90).

إحدى جوامع الآيات في القرآن.. حين سمعها الوليد بن المغيرة وهو من أبلغ سادات قريش، قال عن القرآن: “إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أسفله لمغدق، وإنّ أعلاه لمثمر، وما هذا بقول البشر”.

وحين لقي النبي (ص) قوما من شيبان بن ثعلبة، ودعاهم إلى الإسلام وإلى نصرته، أسمعهم هذه الآية، فقال أحدهم (اسمه: مقرون): “دعوتَ والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. ولقد أَفِك قومٌ كذَّبوك وظاهَروا عليك”.

في سياق التأمل المستمر في القيم الأخلاقية التي يطرحها القرآن الكريم لإدارة الخلافات والجدل المذهبي والطائفي، تتجلى الآية كمرجع أخلاقي شامل، وميزان لقياس مشروعية وأخلاقية الخطابات الدينية والمذهبية.

الآية تدعو لثلاثة أوامر، مقابل ثلاثة نواهي..

العدالة في الخطاب

العدل في القرآن لا يعني الحياد المطلق، بل إعطاء كل ذي حق حقه، مهما كان معتقده أو مرجعيته.

  • أن ترفض فكر الآخر لا يبرر الافتراء عليه.

  • وأن تنتقد منهجًا لا يعني تشويه أفراده.

  • وأن تؤمن بأن مذهبك هو الحق لا يجيز إنكار إنسانية وكرامة الآخرين.

الإحسان كذروة أخلاقية

الإحسان في القرآن يتجاوز اللطف ليُظهر الالتزام الأخلاقي حتى في أوج الخلاف.

  • أن تُحسن إلى من تختلف معه، ليس لأنه يستحق، بل لأنك تلتزم بمبادئك.

  • أن تحفظ كرامته، ليس لأنه على صواب، بل لأن الكرامة ليست مشروطة بالصواب.

صلة القربى

الدين والإنسانية:

“وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ” تشمل صلة القربى الفكرية والدينية والإنسانية.

  • كل من يشهد أن لا إله إلا الله يُعتبر من “القربى” الدينية.

  • وكل مواطن يشاركنا الوطن يُعتبر من “القربى” المدنية.

كيف يمكن أن نقابل هذا القربى بالبغي والتشهير والتعميم؟

النواهي الثلاثة: مصائد الخطاب الطائفي

الفحشاء

عندما يتجاوز الخطاب حدود الأدب، بالسب أو التهكّم أو الإيحاءات المسيئة.

المنكر

عندما نمارس ظلمًا بيّنًا، بتعميم الأحكام أو بناء خطاب مشحون بالعاطفة دون وعي.

البغي

عندما نتحول من ناقدين إلى معتدين، فنظلم باسم العقيدة أو الخصومة.

للاختبار الأخلاقي لأي موقف أو خطاب، ينبغي أن تسأل نفسك:

  • هل في كلامي عدل؟

  • هل في موقفي إحسان؟

  • هل في خطابي صلة أم قطيعة؟

  • هل ابتعدت عن الفحش والمنكر والبغي؟

أم أنني أمارس الظلم باسم الدفاع عن الصحابة، أو الدفاع عن آل البيت، أو عن الدين؟

وحين يضع القرآن هذه الموازين الأخلاقية لخطاباتنا وسلوكياتنا، فهو لا يفعل ذلك من باب الترف الفكري، ولا لأنه يخاطب مجتمعات دون أخرى.

هذه القيم القرآنية ليست امتيازًا لسياق “آمن”، بل واجب في السياقات المتوترة تحديدًا.

فالعدل والإحسان والنهي عن البغي ليست أخلاق “الرفاه”، بل هي أخلاق الأزمات والشدائد، حين يشتد الخلاف، ويتضاعف احتمال الظلم، ويغيب صوت الحكمة.

أما قولي بهذه القيم من خارج تونس، فلا يُسقط قيمتها، ولا يُبطِل حجيتها.

أنا أنتمي وجدانيًا وعقليًا للواقع التونسي، وأراه اليوم أحوج ما يكون إلى هذا النوع من الخطاب الأخلاقي الرصين، لأنه واقع مثقل بالتوتر، والناس فيه يتلقّفون أي فكرة مشحونة، ويردّون على المخالف بانفعال لا بتبصّر.

بل إن أخطر ما نفعله بأنفسنا هو أن نظن أن الظروف الصعبة تبرّر لنا التنكّر لقيم العدل، أو تسمح لنا بالتخلّي عن الحياء في الخصومة، بحجّة “التهديد الشيعي”، أو “المؤامرة”، أو “الاحتشاد الهويّاتي”.

فما معنى الدفاع عن العقيدة، إذا كنا نخرق أخلاقياتها باسم الدفاع عنها؟

الآية ليست شعارًا مثاليًا، بل أداة إنقاذ من السقوط في منطق الردح، والبغي، وتضخيم الفزّاعات.

ومن يظن أن الحديث عن العدل والإحسان اليوم هو ترف، فعليه أن يسأل نفسه: “وماذا بقي لنا من القرآن إن فرّغناه من أخلاقه؟“

الإحسان وسط الأزمات: ردّ على “الترف الفكري”

التهمة الأكثر شيوعًا ضد من يتحدث عن الأخلاق والقيم وسط الأزمات هي: “هذا ترف فكري في وقت يُقتل فيه الناس.”

ما الذي تُغفله هذه التهمة؟

أولًا: الأخلاق والقيم ليست رفاهية — هي البنية التحتية للفعل. من يفقد البوصلة الأخلاقية في الأزمة يُرتكب بيد الأزمة ما لا يُرتكَب في السلم.

ثانيًا: القرآن الكريم نزل وسط أزمات متواصلة. آية ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ نزلت في بيئة كانت تُحارَب فيها المسلمون. ولم يقل النبي “هذا ترف حتى تنتهي الحرب.”

الإحسان لا يتوقف في الأزمات

الوليد بن المغيرة — من أبلغ خطباء قريش وأعدائها — حين سمع هذه الآية قال إنها لا يشبهها كلام البشر. الجمال الأخلاقي للقرآن كان سلاحًا في معركة الإسلام — لم يكن ترفًا.

خاتمة

تفريغ الدين من أخلاقه باسم الأولويات هو خسارة الدين نفسه. الأخلاق ليست زخرفة يُضاف إليها الدين — هي جوهره.