المغالطات المنطقية عند الأكاديميين: أسباب ظاهرة لا تُبرَّر
لو حصلت المغالطات من أناس لم يدرسوا في الجامعة فلن أستغرب كثيرا.. ولكن أن تصدر المغالطات عن أشخاص متحصلين على شهادة ماجستير أو دكتوراه، أو أساتذة يدرّسون بالجامعة أو باحثون أكاديميون، فهذا ما لا يستوعبه عقلي..
المغالطات المنطقية هي أخطاء في التفكير أو الاستدلال تُضعف قوة الحجة أو تجعلها غير سليمة. يمكن أن تبدو هذه المغالطات مقنعة للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تستند إلى منطق معيب أو غير صحيح.
مثلا، حين يقوم أحدهم بمهاجمة شخص بدلاً من مناقشة الحجة التي يطرحها.
أو حين يدّعي بأن شيئًا ما صحيح فقط لأنه لم يثبت خطأه، أو العكس.
أو حين يفترض أن حدثًا صغيرًا سيؤدي حتمًا إلى سلسلة من الأحداث الكبيرة والكارثية.
أو حين يعتقد بأن شيئًا ما صحيح أو جيد لأنه شائع بين الناس.
إلى آخر ذلك من أمثلة المغالطات، فهذا لا يضر فقط بالحقيقة، وإنما يضر ايضا بمصداقية هذا الأكاديمي..
خصوصا عندما يخاطب شخصا مثلي، قضى حياته تقريبا في دراسة المنطق وممارسته يوميا في إطار وظيفته..
أريد أن أفهم: ألا يدرك هؤلاء حجم الآثار السلبية لمغالطاته المنطقية، سواء في المناقشات العادية أو في الخطابات العامة؟
من هذه الآثار السلبية:
إضعاف الحجج والمواقف:
استخدام المغالطات يجعل الحجة أقل إقناعًا وأقل مصداقية. عندما تُكشف هذه الأخطاء في التفكير، يمكن أن يتسبب ذلك في تراجع الثقة في الأفكار أو الآراء المطروحة.
التشويش وفقدان الوضوح:
المغالطات قد تسبب التشويش في النقاش وتجعل من الصعب فهم النقاط الأساسية أو تقييمها بشكل عادل. هذا يؤدي إلى نقاشات غير بنّاءة قد لا تصل إلى نتائج منطقية أو مُرضية.
تشويه الحقيقة:
المغالطات تؤدي إلى تحريف أو تشويه الحقيقة، مما يؤثر سلبًا على القرارات المبنية على هذه الحجج، سواء في المجالات الشخصية، الاجتماعية، أو السياسية.
التضليل والتأثير السلبي:
في الخطاب العام، استخدام المغالطات يمكن أن يضلل الجمهور، مما يجعله يقتنع بأفكار غير صحيحة أو يستمر في دعم سياسات وخيارات خاطئة.
التأثير على مصداقية المتحدث:
عندما يُلاحظ أن شخصًا ما يعتمد على مغالطات منطقية في كلامه، يمكن أن تتأثر مصداقيته بشكل كبير. الناس قد يشككون في نزاهته أو في قوة آرائه، خاصة إذا كان ذلك في سياقات أكاديمية أو نقاشات مهنية.
تكرار استخدام المغالطات قد يؤدي إلى فقدان الثقة، مما يجعل الآخرين أقل استعدادًا للاستماع إلى أفكاره أو أخذ آرائه بجدية.
بمعنى، أن المغالطات المنطقية تضعف قوة الحجة وتشوش النقاش، وتضر بمصداقية من يستخدمها، خاصة إذا كان الجمهور واعيًا بأساليب التفكير السليم.
2
ولكن لماذا؟ لماذا يستسهل هؤلاء للمغالطات المنطقية؟
أحاول أن أفهم، وأظن أن من بين الأسباب:
التفكير السريع والعواطف: في كثير من الأحيان، يسيطر التفكير السريع والانفعالات على النقاشات، مما يؤدي إلى استخدام مغالطات منطقية دون وعي. العواطف يمكن أن تدفع الشخص لتبني مواقف معينة دون الالتزام بالمنطق السليم.
التأثير الاجتماعي: المغالطات المنطقية قد تكون مؤثرة وجذابة في النقاشات العامة، لأنها تسهل جذب الانتباه أو كسب التأييد، حتى لو لم تكن المواقف المقدمة مبنية على أسس منطقية قوية.
التعليم والتدريب: قد لا يتلقى كثيرون تدريبًا كافيًا على التفكير النقدي والمنطقي، مما يجعلهم غير واعين بوجود هذه المغالطات أو بصعوبة تجنبها في حديثهم.
3
هل من الصعب اعتماد المنطق السليم؟ نعم، قد يكون ذلك صعبًا، للأسباب التالية:
-
الطبيعة البشرية: البشر يميلون إلى التفكير بطريقة مختصرة أو عبر “اختصارات معرفية” (cognitive heuristics) لتسهيل اتخاذ القرارات. هذه الاختصارات قد تؤدي إلى مغالطات.
-
تأثير الانحيازات: الأفكار المسبقة والانحيازات الشخصية قد تعيق التفكير السليم، وتجعل من الصعب على الفرد تحليل المواقف بموضوعية.
-
الحاجة إلى التدريب: التفكير المنطقي يتطلب تدريبًا مستمرًا ومعرفة واسعة بمغالطات التفكير، مما يحتاج إلى جهد ووقت.
باختصار، تجنب المغالطات المنطقية يتطلب وعيًا ذاتيًا وتدريبًا مستمرًا على التفكير النقدي، كما يتطلب القدرة على التحكم بالعواطف والانحيازات.
وفي كل الأحوال: الله غالب.. وربي يعطينا الصبر. خصوصا خصوصا إذا اجتمع مع المغالطات المنطقية شوية قلة حياء وقلة تربية، تجعل من صاحبها يتهجم عليك في صفحتك: “قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا؟ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا”