كثير من الناس يتألمون من مشاهد الحصار والتجويع في غزة. وهذا موقف إنساني طبيعي

ولكنهم في الوقت ذاته يسخرون من المقا__ومة أو يتهمونها بالتهور، ويشنون هجومًا دائمًا على إيران ومحورها، رغم أن هذا المحور هو الطرف الوحيد - الواقعي - الذي كان قادرا على كسر الحصار عن غزة عسكريًا أو فرض معادلات ردع.

(من يظن أن فك الحصار يأتي من خلال تركيا ومصر والأردن والقوافل المدنية والوقفات في مختلف البلدان، فهو ساذج)..

هم يشتكون من النتيجة (التجويع والحصار)، ولكنهم في ذات الوقت يقاتلون ضد السبب الوحيد الممكن لتغيير هذه النتيجة (تنشيط محور المقا__ومة، أو دعمه، أو حتى فقط تركه دون حرب كلامية مستمرة)

هم يرفضون الهيمنة الأمريكية نظريًا، لكنهم يهاجمون كل من يقاوم الهيمنة فعليًا. ويكرهون الاحتلال الإسرائيلي، لكنهم يكرهون من يقاومه بقوة السلاح وبمعادلات الردع. ويريدون “تحرير فلسطين” بطريقة خيالية: بلا مقا__ومة، بلا سلاح، وبلا تحالف مع أي طرف مزعج للغرب

هذا ليس مجرد تناقض عاطفي، بل خلل منطقي في فهم طبيعة الصراع، والأولويات..

الجمع بين المتناقضات: تشخيص وتحليل

الجمع بين المتناقضات في المواقف السياسية والأخلاقية ليس خصيصة عربية — هو نمط إنساني عام. لكنه يتضخّم في بيئات الاستقطاب الحاد حيث تُؤخَذ المواقف بالانتماء لا بالتحليل.

حين يتألم الإنسان من صور الضحايا في غزة ويسخر في الوقت ذاته من المقاومة التي تُقاتل دفاعًا عنهم — هذا ليس تناقضًا عقليًا بقدر ما هو انفصام بين العاطفة والتحليل.

لماذا يحدث هذا؟

الإنسان يُفكّر في قضايا مختلفة بمراكز مختلفة من تجربته ووجدانه. الضحايا يُفعّلون التعاطف الإنساني العميق. المقاومة — حين تُثير جدلًا — تُفعّل موقفًا أيديولوجيًا سابقًا.

حين لا يحدث تكامل بين هذين المستويين، ينتج التناقض.

الطريق إلى الاتساق

الاتساق الفكري لا يعني غياب التعقيد. يعني القدرة على توليد مبدأ عام يُفسّر المواقف المختلفة بدلًا من الاحتفاظ بمواقف متعارضة في فصائل ذهنية منفصلة.

خاتمة

من يُريد اتساقًا فكريًا حقيقيًا عليه أن يسأل نفسه في كل موقف: ما المبدأ العام الذي يُوجّه هذا الحكم؟ وهل هذا المبدأ نفسه مُطبَّق في الحالات المشابهة؟

كيف يُكتشَف التناقض الداخلي؟

الاختبار البسيط: هل ستتخذ نفس الموقف لو تبدّلت الأطراف؟ من يشجب الحصار على غزة ويبرّر الحصار على اليمن موقفه هووي لا مبدئي. التناقض لا يُحلّ بتبرير أحد المواقف بل بتطوير مبدأ عام يُوجّه الحكمين معًا.