من خلال التعليقات التي رافقت مقالي الأخير، يمكن استخلاص أنّ الاعتراضات تتجمّع حول أربع أفكار رئيسية، أرد عليها هنا..
“ما يهم هو العلامة التجارية، لا يهم من يملكها”
هذا الطرح عاطفي أكثر منه عملي. صحيح أنّ العلامة التجارية كارفور أصبحت مرتبطة عالميًا بصورة فرنسا وبعلاقتها مع إسرائيل. لكن في تونس، كارفور ليست مجرّد “يافطة”، بل هي شركة تونسية بنسبة 75% تشغّل آلاف التونسيين.
كل فرع من فروعها يدفع أجورًا، ويؤمّن عقودًا مع فلاحين ومزوّدين تونسيين، ويضخّ رساميل في السوق المحلي.
واستهداف هذه الفروع بحجة العلامة، يعني الإضرار مباشرة بالاقتصاد الوطني، بينما الشركة الأم لن تتأثر إلا بشكل محدود.
بمعنى آخر: الخسارة هنا “محلية أكيدة”، والمكسب “رمزي فقط”. ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ودفع الضرر الأكبر مقدم على دفع الضرر الأصغر.. وأعتقد أن هذا المنطق السليم ليس صعبا على الفهم..
“حتى 25% نسبة كافية لتبرير المقاطعة”
نعم، من حيث المبدأ 25% ليست “صفر”. لكن يجب أن نضع الأمور في سياقها:
-
أي امتياز دولي (فرانشايز) يتضمن دائمًا نسبة للمالك الأصلي للعلامة، سواء كانت كارفور أو ماكدونالدز أو غيرها.
-
هذه النسبة لا تُدفع كهدايا، بل مقابل استخدام العلامة، تكنولوجيا التوزيع، التكوين الإداري، والخبرة التسويقية.
-السؤال الحقيقي: هل بإمكان تونس الاستغناء عن هذه العلامة؟ وإذا نعم، ما هو البديل الذي يحافظ على نفس الحجم من التشغيل والتوزيع؟
“كارفور يسبب نزيفًا للعملة الصعبة”
هذا الاعتراض يُطرح دائمًا مع كل علامة أجنبية. صحيح أن هناك جزءًا من الأرباح يُحوَّل بالعملة الصعبة للشريك الفرنسي.
لكن بالمقابل: كارفور تونس تستثمر في البنية التحتية التجارية. وتسوّق آلاف المنتجات التونسية. وتفتح أبواب التصدير لبعض الصناعات المحلية عبر شبكاتها.
الحساب الاقتصادي لا يُقاس بجانب واحد (النزيف)، بل بميزان كامل: ما يخرج من تونس، وما يدخل إليها من فرص عمل، قيمة مضافة، وأسواق جديدة.
“الحل هو الانسلاخ أو التأميم”
هناك من يرى أن الحل بسيط: فلينسحب الشايبي من كارفور، أو تُؤمَّم الشركة.
أجبت على هذا في تعليقاتي السابقة، وقلت أنّ العقود التجارية معقّدة، وفسخها ليس قرارًا شعبويًا بل عملية قانونية ومالية طويلة.
التخلي عن العلامة يعني أيضًا التخلي عن قوة تسويقية عالمية. هل لدينا بديل محلي قادر على منافسة “اللوغو” وكسب ثقة المستهلك في ظرف قصير؟
التجربة العُمانية التي يستشهد بها البعض، حصلت في سياق مختلف، مع مستثمرين محليين كبار مستعدين لضخّ مليارات لإعادة التموضع.
من المستفيد ومن الخاسر من المقاطعة؟
أكرر هنا:
-
الخاسر المباشر: العامل التونسي (أكثر من 5000 موظف) والفلاح والمزوّد المحلي.
-
المستفيد المباشر: لا أحد محليًا. الشركة الأم قد تخسر بعض السمعة، لكنها لن تنهار بسبب السوق التونسية.
-
المستفيد غير المباشر: منافسون آخرون في السوق، قد لا يكونون أفضل حالًا من كارفور لا وطنيًا ولا اجتماعيًا.
أتفهم أن القضية الفلسطينية بالنسبة للكثيرين قضية مقدسة أو قضية عادلة، والغضب الشعبي مشروع. ولكن تحويل هذا الغضب إلى تخريب شركات محلية أو المطالبة بقرارات غير مدروسة اقتصاديًا هو مسار غير سليم.
التضامن الحقيقي مع فلسطين لا يكون بالإضرار بالعمال التونسيين. والنقاش الجاد يجب أن يُطرح في مستوى آخر: هل نُعيد التفاوض مع الامتيازات الأجنبية؟ هل نطور علامات تونسية بديلة قوية؟ كيف نُوازن بين التضامن الوطني والالتزام بالقضية؟
الوعي يعني أن نفرّق بين الرمزي والعملي، بين ما يضرّ العدو وما يضرّ أنفسنا.
درس أوسع من النقاش
هذا الجدل يكشف مشكلة أعمق: ثقافة الغضب السياسي التي تسبق التحليل وتستغني عنه. الخلط بين كارفور التونسي وكارفور الفرنسي نمط متكرر في النقاشات المتأثرة بالعاطفة السياسية. الموقف الأخلاقي الجيد يحتاج تحليلًا جيدًا، لا فقط نية جيدة.
المقاطعة الفاعلة تستهدف المصدر الحقيقي للسياسة التي تُنتقد — لا وسيطًا محليًا لا يملك التأثير في هذه السياسة.
خاتمة
كارفور تونس قضية صغيرة في حد ذاتها. لكنها كانت اختبارًا لمنهجية التفكير السياسي: هل نبدأ من التحليل أم من العاطفة؟ هل نفرّق بين الرمز والواقع؟ هل ندافع عمن يخسر فعلًا؟