لماذا ربط النبي (ص) هذه الوصية بالإيمان بالله واليوم الآخر؟

ما قيمة هذه الوصية النبوية في زمنٍ تكثر فيه الأصوات وتضج المنصات بالتحليلات والآراء والمعلومات – أكثرها بلا علم ولا تثبّت؟

هل نعي حق الوعي بقوة الكلمة؟وإمكانية أن تبني مجتمعًا أو تهدمه؟ وهل يمكن لجملة عابرة أن تُشعل، فعلاً، فتنة أو تُطفئ نارها؟

النبوة قائمة على الكلمة.. على الرسالة.. على البلاغ المبين.. على التواصل مع الناس..

ولذلك، ففي معيار النبوة والرسالة الإلهية للإنسانية، الكلام ليس “تسلية” أو “ثرثرة” أو مجرد “رأي شخصي عابر”. الكلام مسؤولية كبيرة:

  • أمام الله: لأن كل حرف يُحاسب عليه الفرد.

  • أمام التاريخ: يبقى أثر الكلمة جيلاً بعد جيل.

  • أمام ضميرك الإنساني: هل نطقَتَ بالحق والصدق؟

في الرؤية القرآنية، قد تنجو في الدنيا من العقوبة لو نشرتَ إشاعة أو نقلتَ تحليلًا خاطئًا، ولكن في الآخرة، الحساب دقيق: “ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد.”

ماذا يعني هذا الحديث في واقعنا اليوم؟

كل كلمة تكتبها أو تقولها هي إما:

  • في ميزان حسناتك: لأنها علم نافع (معلومة مفيدة)، أو نصيحة صادقة، أو قول حق يُصلح.

  • أو في ميزان سيئاتك: لأنها باطل، إشاعة، تحريض، تشويه، أو حتى مجرد لغو يضيع وقتك ووقت الناس بلا فائدة.

لنتأمل قليلا في بعض الكوارث التي نحصدها من الكلام بغير علم:

الإشاعات

كم من نزاع بدأ بإشاعة بسيطة، فتحول إلى حروب بين جماعات أو عائلات أو شعوب؟ الكلمة قد تسقط دولة أو تقتل أبرياء!

التحاليل الخاطئة

اليوم، صار الجميع “محللًا استراتيجيًا”! لكن التحليل بدون علم يضلل العقول بدل أن ينيرها. كم من قرار مصيري اتُّخذ بناءً على رأي سطحي أو عاطفي، فكانت النتيجة كارثية؟

التحريض والتشويه

قد تظن أنك “تنصر الحق”، فتقع في أعراض الناس أو تتهم جماعات بأحكام قاسية بلا دليل ولا علم. والنتيجة: مزيد من الفتن، وزيادة في الشقاق.

هدر طاقة المجتمع

حين ننشغل بالقيل والقال والجدال العقيم، تضيع الطاقة الجماعية التي كان من الممكن أن تُصرف في العمل، البناء، والإصلاح الحقيقي.

والمفارقة العجيبة في كل هذا، أن المتدينين هم من بين أكثر من يقعون في هذا الفخ!

  • يخوضون في السياسة بلا أدوات فهم عميقة.

  • يوزّعون الاتهامات على الناس وكأنهم يملكون مفاتيح الجنة والنار.

  • ينقلون مقاطع ومعلومات مشكوك فيها ثم يقولون ببساطة: “نعتذر لو لم تكن صحيحة!”

وهذا مخالف صريح لوصية النبي (ص)..

الإيمان بالله واليوم الآخر يعني أن تزن كلامك قبل أن تكتبه أو تنطقه.

”فليقل خيرًا أو ليصمت”: حديث يتحدى المنصات الرقمية

لماذا ربط النبي صلى الله عليه وسلم هذه الوصية بالإيمان بالله واليوم الآخر؟

الربط بالإيمان: دلالته العميقة

الإيمان بالله يعني أن الكلمة أمانة — قدّمها الله للإنسان وسيُسأل عنها. والإيمان باليوم الآخر يعني أن الكلمات تُوزَن — لا يضيع منها شيء ولا يُنسى.

حين يستحضر المؤمن هذين الحقيقتين قبل أن يتكلم، يتغيّر حساب الكلام: ليس “هل يُرضي هذا الكلام الجمهور؟” بل “هل يُرضي هذا الكلام الله؟“

في زمن الضجيج

المنصات الرقمية تُكافئ الكثرة لا الجودة. من يُغرّد عشر مرات يوميًا يكسب حضورًا أكثر ممن يُغرّد مرة بعمق. وهذه الآلية تُنتج ضغطًا نحو الإكثار — حتى حين لا يكون ثمة ما يُقال.

الحديث النبوي يُقاوم هذا الضغط بمعادلة بسيطة: خير أو صمت. الصمت ليس هزيمة — هو أحيانًا الخيار الأكثر حكمة.

ما يعنيه “الخير” في الكلام

الخير ليس فقط الكلام “اللطيف” أو الذي لا يُؤذي. يشمل: الحق حتى حين يكون صعبًا، والعلم حين يكون مفيدًا، والصمت حين لا يكون في الكلام منفعة.

خاتمة

“فليقل خيرًا أو ليصمت” — قاعدة إذا طُبّقت على الفضاء الرقمي اليوم ستُنتج صمتًا أعمق وكلامًا أنفع.